اعلم: أن المُبْطل قد يكون ضَالاً فقط، وقد يكون ضالاً مضلاً، والقوم كانوا موصوفين بالأمرين جميعاً، فبدأ - تعالى - بالإنكار على أهل الصفة الأولَى - على سبيل الرفق - فقال: {يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله} ؟
قال الحسن: هم العلماء من أهل الكتاب، الذين علموا صحة نبوته؛ لقوله: «وأنتم شهداء» .
وقال آخرون: المراد: أهل الكتاب كلهم.
«فَإِنْ قِيلَ» : لماذا خَصَّ أهْل الكتاب دون سائر الكفار؟
فالجواب من وجهين:
الأول: أنا بَيَّنَّا أنه - تعالى - أورد الدليلَ عليهم من التوراة والإنجيل على صحة نبوة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، ثم أجاب عن شُبْهتهم في ذلك، فلمَّا تمَّ ذلك خاطبهم، فقال: «يا أهل الكتاب» .
والثاني: أن معرفتهم بآيات الله أقْوَى؛ لتقدُّم اعترافهم بالتوحيد، وأصل النبوة، ولمعرفتهم بما في كُتُبِهم من الشهادة بصدق الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، والبشارة بنبوته.
والمراد بآيات الله: الآيات التي نصبها الله - تعالى - على نبوة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، والمراد بكُفْرهم بها كفرهم بدلالتها على نبوة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) }
«فَإِنْ قِيلَ» : أليس قد قال تعالى: {وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ} [الأنعام: 91] ؟
فالجواب: أن هذه الآية وردت في ثلاثة مواضع في القرآن، وكلها في صفة الكفار، لا في صفة المسلمين، وأما الذين قالوا: إن المراد هو أن يُطاع فلا يُعصى فهذا صحيح، والذي يصدر عن الإنسان كان سَهْواً، أو نِسْيَاناً فغير قادح فيه؛ لأن التكليف مرفوع عنه في هذه الأحوال، وكذلك قوله: أن يشكر فلا يكفر؛ لأن ذلك واجب عليه عند حضور نعم الله بالبال، فأما عند السهو فلا يجب، وكذلك قوله: أن يذكر فلا يُنْسَى، فإن ذلك واجب عند الدعاء والعبادة، وكل ذلك مما يطاق، فلا وَجْهَ للقول بالنسخ.