{قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29) }
«فَإِنْ قِيلَ» : قوله: {إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ} شرط، وقوله: {يَعْلَمْهُ الله} جزاء، ولا شك أن الجزاء مترتِّب على الشرط، متأخِّرٌ عنه، فهذا يقتضي حدوثَ علمِ اللهِ تعالى؟
فالجَوابُ: أن تعلق علم الله بأنه حصل الآن لا يحصل إلا عند حصوله الآن، وهذا التجدُّد إنما يعرض في النِّسَب، والإضافات، والتعلُّقات، لا في حقيقة العلم.
«فَإِنْ قِيلَ» : إن محل البواعثِ والضمائر هو القلب، فلم قال: {إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ} ولم يَقُلْ: {مَا فِي قلُوبِكُمْ} ؟
فالجوابُ: لأن القلبَ في الصدر، فجاز إقامة الصدر مقام القلب، كما قال: {يُوَسْوِسُ فِى صُدُورِ النَّاسِ} [الناس: 5] .
فصل
قوله: {قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ} قلوبكم، من مودة الكفار وموالاتهم {أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ الله} .
وقال الكلبيُّ: إن تُسرُّوا ما في قلوبكم لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من التكذيب، أو تُظْهِرُوه، لحَرْبِهِ وقتاله يعلْمه الله، ويجازكم عليه.
قوله: «وَيَعْلَمُ» مستأنف، وليس منسوقاً على جواب الشرطِ؛ لأن علمه بما في السماوات وما في الأرض غير متوقِّف على شرط، فلذلك جِيء مستأنفاً، وقوله: {وَيَعْلَمُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض} من باب ذكر العام بعد الخاص. {مَا فِى صُدُورِكُمْ} ، وقدَّم - هنا - الإخْفَاءَ على الإبداء وجعل محلهما الصدور، بخلاف آية البقرةِ - فإنه قدَّم فيها الإبداء على الإخفاء، وجعل محلهما النفس، وجعل جواب الشرطِ المحاسبة؛ تفنُّناً في البلاغة، وذكر ذلك للتحذير؛ لأنه إذا كان لا يخفى عليه شيء فكيف يَخْفَى عليه الضميرُ؟