الثَّالِثُ - سَأَلُوا أَنْ يُعْطَوْا مَا وُعِدُوا بِهِ مِنَ النَّصْرِ عَلَى عَدُوِّهِمْ مُعَجَّلًا، لِأَنَّهَا حِكَايَةٌ عَنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَأَلُوهُ ذَلِكَ إِعْزَازًا لِلدِّينِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَرَوَى أنس ابن مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (مَنْ وَعَدَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى عَمَلٍ ثَوَابًا فَهُوَ مُنْجِزٌ لَهُ رَحْمَةً وَمَنْ وَعَدَهُ عَلَى عَمَلٍ عِقَابًا فَهُوَ فِيهِ بِالْخِيَارِ) .
وَالْعَرَبُ تَذُمُّ بِالْمُخَالَفَةِ فِي الْوَعْدِ وَتَمْدَحُ بِذَلِكَ فِي الْوَعِيدِ، حَتَّى قَالَ قَائِلُهُمْ:
وَلَا يَرْهَبُ ابْنُ الْعَمِّ مَا عِشْتُ صَوْلَتِي ... وَلَا أَخْتَفِي مِنْ خَشْيَةِ الْمُتَهَدِّدِ
وَإِنِّي مَتَى أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ ... لَمُخْلِفُ إِيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي.
(لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ(196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197)
نَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ)
وَالْمَتَاعُ: مَا يُعَجَّلُ الِانْتِفَاعُ بِهِ، وَسَمَّاهُ قَلِيلًا لِأَنَّهُ فَانٍ، وَكُلُّ فَانٍ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا فَهُوَ قَلِيلٌ.
وَفِي صَحِيحِ التِّرْمِذِيِّ عَنِ الْمُسْتَوْرِدِ الْفِهْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ فِي الْيَمِّ، فلينظر بماذا يَرْجِعُ) .
قِيلَ: (يَرْجِعُ) بِالْيَاءِ وَالتَّاءِ.
(وَبِئْسَ الْمِهادُ) أَيْ بِئْسَ مَا مَهَدُوا لِأَنْفُسِهِمْ بِكُفْرِهِمْ، وَمَا مَهَدَ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ النَّارِ.
* فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَأَمْثَالِهَا كَقَوْلِهِ: (أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ) الآية.