لتَقَدُّمِ البِشَارَةِ بهذه الأُمَّة، ولِمَا قد كان يُسمَعُ مِنَ الخير في هذه الأمَّةِ؛ فكأنَّه قيل: كنتم خير أُمَّةٍ بُشِّرَت بها. وهذا القول، يُروى معناه عن الحَسَنِ.
وقال بعضهم: الكَوْنُ ههنا بمعنى: الوقوع والحُدُوث، وهي التَّامَّةُ التي لا تحتاج إلى خبر، فمعنى {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} : حَدَثْتم خَيْرَ أُمَّةٍ، ووُجِدْتُم وخُلِقْتُم خَيرَ أمَةٍ، فيكون {خَيْرَ أُمَّةٍ} حينئذ بمعنى الحَالِ. وهذا معنى قولِ ابن جَرِير.
وحكى الزجاجُ عن بعضهم: كنتم منذ آمنتم خيرَ أُمَّةٍ.
قوله تعالى: {وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ}
وإنما قال: {وَلِتَطْمَئِنَّ} ، ولم يقل: واطْمِئْنانًا، كما قال {بُشْرَى} ، لأن ذِكْر المَدَدِ سببٌ لاطمئنان القلوب، ولم يكن نفس الاطمئنان، وكان ذكر المَدَدِ نفس البُشْرَى.
قوله: {لِيَقْطَعَ طَرَفًا}
وإنما قال: {طَرَفًا} ولم يقل: (وَسَطًا) ؛ لأنه لا يُوصَلُ إلى الوَسَطِ الا بعد قطع الطَّرَفِ، وهذا القَطْعُ إنما هو بأيدي المؤمنين، وإنما يقطعون الطَّرَفَ الذي يليهم مَنَ الكافرين، وهذا يوافق قوله: {قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ} [التوبة: 123] ، وعلى هذا - أيضًا - قولُه: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} [الرعد: 41] .
قوله تعالى: {وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ}
أي: لا تُعَرِّجُونَ ولا تُقِيمون ولا تَلْتَفِتون هَرَبًا. يقال: (مَضَى ولم يَلْوِ على شيء ٍ) ؛ أي: لم يُعَرِّجْ. وأصله: أنَّ المُعَرِّجَ على الشيء ، يَلْوِي إليه عُنُقَهُ، أو عِنَانَ دابَّتِهِ. فإذا مضى، ولمْ يُعَرِّج، قيل: (لم يَلْوِ) . ثم استُعْمِلَ في تَرْكِ التَّعْرِيج على الشيء .
«فإن قيل» : أليس اللهُ قد أخبَرَ أنَّه عَفَا عنهم - إذْ هُزِمُوا - ، فكيف ذلك العَفْو، مع ما ابتلاهم به مِنَ القَتْلِ والجَرْح، وإدَالَةِ العَدُوِّ عليهم؟.