قال ابن عباس في هذه الآية: يريد: مُدَاراةً ظاهرةً. والتقيَّة لا تحل إلاَّ مع خوف القتل. وهي رخصة من الله تعالى. ولو أفصح بالإيمان؛ حيث يجوز له التَقِيَّة، [فيُقْتَل لأجلِ إيمانِهِ] ، كان ذلك فضيلةً له.
وظاهر الآية يدل على أن التقيَّة إنما تَحلُّ مع الكفار الغالبين، غير أن مذهب الشافعي رحمه الله: [أنَّ الحالةَ بين] المسلمين، إذا شاكلت الحالةَ بين المسلمين والمشركين، حَلَّت التقِيَّةُ، محاماةً عن المُهْجَةِ.
قوله تعالى: {قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ}
«فإن قيل» : لِمَ جاء {يَعْلَمْهُ اللَّهُ} بالجَزْم؛ على جواب الشرط، ولا يَفْتَقِرُ في علمه إلى وجود شرطٍ متقدمٍ؛ كقول القائل: (إنْ تأتِني؛ أُكْرِمْكَ!) ، فالإتيان سببٌ للإكرام، ولا يجوز أنْ يكون الإخفاء ولا الإبداء سبباً لعلمه؟
فالقول في ذلك إنَّ المعنى: يعلمه كائنًا، ولا يعلمُهُ اللهُ تعالى كائناً، إلا بعد كَوْنِهِ، وقبل الكَوْنِ لا يُوصَفُ بأنه: يعلَمُه كائنا، والتأويل: إنْ تبدوا ما في صدوركم، يعْلَمْهُ مبدىً، أو تُخْفوه يَعْلَمْهُ مُخْفىً.
قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ}
إنْ قيل: كيف أنكر زكريَّا الولدَ مع تبشير الملائكة إيَّاه به؟ وما معنى هذه المراجعة؟ ولِمَ عجب من ذلك بعد إخبار الله تعالى بأنه يكون، إذ يقول عز وجل: {أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى} ؟ فالقول في ذلك: {أَنَّى يَكُونُ لِي} أن معنى قوله {أَنَّى يَكُونُ} على أيِّ حالٍ يكون ذلك؛ أيَرُدُّني إلى حال الشباب، وامرأتي؟ أم من حال الكِبَرِ؟. فقال ما قال من هذا مستثْبِتاً، ومستعْلِماً، لا متعجباً، ولا منكِراً.
قوله تعالى: {وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ}
(الكِبَرُ) ، مصدرُ: (كَبِرَ الرجلُ، يَكْبَرُ) : إذا أسَنَّ.