فالجواب، ما قال ابن الأنباري، وهو: أنَّ الفريق المتولِّي، هم: المعرضون. وأراد بـ (الفريق المتولي) : الرؤساء الذين تدين السَّفَلَةُ لهم، فأفردهم الله تعالى بالذكر، وخصَّهم بالتولي، لأنهم سببٌ لإضلال أتبَّاعهم.
قال: ويحتمل أن يكونَ المتولُّون: العلماء والرؤساء، والمعرضون: الباقون منهم؛ كأنه قيل: ثم يتولى العلماءُ. والتُبَّاعُ معرضون عن القبول من النبي - صلى الله عليه وسلم - لتولي علمائهم.
ويجوز أن يكون الفريق اختصه الله؛ لأن عبد الله بن سَلام، وغيره من مؤمني أهل الكتاب، كانوا ممن قبلوا حكم النبي - صلى الله عليه وسلم - فكان المتولِّي بعض مَن أوتي الكتاب.
{وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28) }
وإنما قال: (تتَّقوا) ؛ من: الاتِّقاء، ثم قال: (تُقاةً) ، ولم يقل: اتِّقاءً: لأن العرب قد تَذْكُر المصدرَ من غير لفظ الفعل، إذا كان ما ذُكِر من المصدر يوافق مصدر الفعل المذكور، فيقول: (التقيت فلاناً لقاءً حسناً) ، قال القُطامي:
وليس بأنْ تتَّبعه اتِّباعا
وقال أيضًا:
ولاح بجانب الجبلين منه ... ركامٌ يَحْفِر التُّربَ احتفارا
وقال بعض النحويين: (تقاة) اسم وضع موضع المصدر كما يقال: (جَلَسَ جَلْسَةً) ، و (رَكِبَ رِكْبَةً) ، وكما قال:
وبَعْدَ عطائِكَ المائةَ الرِّتاعا
فأجراه مجْرَى الإعطاء.
قال: ويجوز أن تجعل (تُقاة) ههنا مثل: (رُماة) ، فتكون حالاً مؤكدة.
قال المفسرون: هذا في المؤمن، إذا كان في قوم كفَّار، ليس فيهم غيره، وخافهم على نفسه وماله، فله أن يخالفهم، ويُداريهم باللسان، وقلبه مطمئنٌ بالإيمان دفعا عن نفسه، من غير أن يَستحِلَّ مُحرَّماً؛ من: دمٍ، أو مالٍ، أو إطْلاع للكافرين على عَوْرة المسلمين.