للجزاء، وكل ما يطاع الله تعالى به فهو دين، فاليهود يدَّعون أنهم يطيعون بما أتاهم به موسى، فذلك دين اليهودية، وكذلك النصارى، وكل فرقة. والمسلمون يطيعونه بما أتاهم به محمد - صلى الله عليه وسلم - ، فهو دين الإسلام، والله تعالى يقول: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} ومعنى (الإسلام) في اللغة: الدخول في السَّلَمِ؛ أي: في الانقياد والمتابعة. قال الله عز وجل: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ} [النساء: 94] ؛ أي: انقاد لكم وتابعكم.
وقيل: أصله: السِّلْم. فـ (أَسْلَمَ) : دخل في السِّلْم؛ كقولهم: (أشْتى) ، و (أَقْحَطَ) ، و (أرْبَعَ) . وأصل السِّلْم: السَّلامة؛ لأنه انقياد على السلامة.
ثم من الإسلام ما هو متابعة وانقياد باللسان دون القلب، وهو قوله: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} [الحجرات: 14] ؛ أي: انقدنا؛ من خوف السيف.
ومنه، ما هو متابعة وانقياد باللسان والقلب، وهو قوله: {قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} ، فهذا معنى الإسلام.
وذكر ابن الأنباري في المسلم قولًا آخر، وهو: أنَّ المسلم معناه: المُخْلِصُ لله العبادة. من قولهم: (سَلَّمَ الشيء َ لفلان) ؛ أي: خلَّصه له، و (سَلِمَ له الشيء ُ) ؛ أي: خَلصَ له.
فعلى هذا الإسلام معناه: إخلاص الدين والعقيدة لله تعالى، وهو التبريء عن الشرك.
وأصله أيضًا من السلامة؛ لأنه يعود إلى أن يُسْلِم دينَه لله، حتى يكون له سالمًا من غير شريك.
قوله تعالى: {بَغْيًا بَيْنَهُمْ}
«فإن قيل» : ما الفصل بين ما ينتصب على المصدرة نحو: {صُنْعَ الله} ، وما ينتصب على أنَّه مفعول له؛ نحو: (ادِّخاره) ، وبابه؟
فالقول: إنَّ الجميع وإن كانا يجتمعان في أنهما ينتصبان عن تمام الكلام؛ فالمفعول له؛ معناه: الإخبارُ بالغرض الذي من أجله فُعِل الفعلُ، والسبب له. والعامل فيه؛ هو هذا الفعل الظاهر.