فأنث ولدته لتأنيث لفظ الخليفة، فكما قال آخر:
فما تزدري من حية جبلية سكات ... إذا ما غض ليس بأدردا
فأنث الجبلية لتأنيث لفظ الحية ثم رجع إلى المعنى، فقال: غض لأنه أراد حية ذكرا والحية تكون الذكر والأنثى
(قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ(40)
فإن قيل: لم تنكر زكريا ذلك وسأل الآية بعد ما بشرته به الملائكة أكان ذلك شكّ في صدقهم أم أنّ ذلك منه استنكارا لقدرة ربّه؟
وهذا لا يجوز أن يوصف به أهل الإيمان فكيف الأنبياء (عليهم السلام) ؟
قيل: إن الجواب عنه ما روى عكرمة والسدي: إن زكريا لما سمع نداء الملائكة جاءه الشيطان، فقال: يا زكريا إن الصوت الذي سمعته ليس من الله، إنما هو من الشيطان يسخر بك، ولو كان من الله لأوحاه إليك خفيا، كما (ناداك) خفيا وكما يوحي إليك في سائر الأمور، فقال ذلك دفعا للوسوسة [1] .
والجواب الثاني: إنه لم يشك في الولد وإنما شك في كيفيته والوجه الذي يكون منه الولد فقال: أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ: أي فكيف يكون لي ولد؟
أتجعلني وامرأتي شابين؟
أم ترزقنا ولدا على كبرنا؟
أم ترزقني من أمرأتي أو غيرها من النساء؟
قال ذلك مستفهما لا منكرا، وهذا قول الحسن وابن كيسان.
[1] في غاية البعد. والله أعلم.