وقيل: إن (مِن) هاهنا لبيان الجنس، ولأن المعنى ولتكونوا كلكم أمة مستقيمة يدعون إلى الخير. و (مِن) مؤكدة أن الأمر للمخاطبين ومثله {فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان} [الحج: 30] فلم يأمرهم باجتناب بعض الأوثان، وإنما المعنى: فاجتنبوا الأوثان فإنها رجس، فكذلك لم يأمر بعض المؤمنون بالدعاء إلى الخير دون البعض إنما أمرهم كلهم، ودل على ذلك قوله: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بالمعروف وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر} [آل عمران: 110] .
وقال من زعم أن (مِن) للتبعيض، إنما أمر الله بعض المؤمنين بالدعاء إلى الخير، لأن الدعاء ينبغي أن يكونوا علماء بما يدعون الناس إليه، وليس كل الخلق علماء، فالأمر واقع لمن فيه علم، وهو بعض الناس، فـ (مِن) للتبعيض على أصلها.
(فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ(106)
وعن أبي بن كعب أنه قال صاروا يوم القيامة فريقين: يقال لمن اسود وجهه: (أكفرتم بعد إيمانكم) وذلك الإيمان هو الذي كان قبل الاختلاف حين أخرجهم من ظهور آدم وأخذ منهم عهدهم وميثاقهم، فقال الله: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى} [الأعراف: 172] فأقروا كلهم بالعبودية، وفطرهم على الإسلام، ثم لما خرجوا إلى الدنيا كفروا، فيقال لهم يوم القيامة: {أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} فالآية عنده للكفار خاصة.
قال: والآخرون فقاموا على إيمانهم المتقدم فهم في رحمة الله خلوداً.
وقال الحسن: {فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ} هم المنافقون أظهروا الإيمان وأسروا الكفر.
واختار الطبري قول أبي بن كعب أن يكون للكفار، ويكون الإيمان هو الذي أخذه الله عليهم حين أخرجهم من ظهور آدم كالذر فأقروا بأنه ربهم ثم كفروا بعد ذلك.