دخلت الفاء في الخبر من أجل: إن الذي فيه إبهام فدخل به في حيز المجازات، فجاز دخول الفاء في الخبر وحسن مع"إن"لأنها للتأكيد لا تغير معنى الابتداء، ولو دخلت لعل، أو ليت، أو كأن، لم يجز دخول الفاء في الخبر مع الذين لأن الكلام يتغير معناه بهن.
وخوطب من كان بالحضرة بالآية، وهم لم يقتلوا، وإنما ذلك لأنهم على مذهب من فعل ذلك في آبائهم، راضون بفعلهم، مصرون على ذلك إن وجدوا إلى ذلك سبيلاً، فلو وجدوا إلى قتل النبي صلى الله عليه وسلم ما تركوه، فخوطبوا بذلك لأنهم وآباؤهم سواء.
(قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ(40)
والعلة التي من أجلها سأل زكريا فقال: {أنى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ} فإنه روي أنه لما سمع نداء الملائكة بالبشارة أتاه الشيطان فقال: إن الصوت الذي سمعت ليس من الله إنما هو من الشيطان [1] ، فسأل عندما لبس عليه ليتثبت لا على طريق الإنكار بقدرة الله، ولا لاعتراض لما يورد الله سبحانه وتعالى عن ذلك.
وقال: لما سأل عن ذلك ليعلم هل من زوجته العاقر يكون ذلك، أو من غيرها؟.
وقيل: إنما سألا عن ذلك عن طريق التواضع والإقرار فكأنه يقول: بأي منزلة أستوجب هذا عندك يا رب...!
وقيل: إنما سأل: هل يرزق ذلك وهو شيخ وامرأته عاقر، أو يرد شاباً، وامرأته كذلك سالمة من العقم؟ أم يرزقان ذلك على حالتهما؟ فأجابه الله فقال {كَذَلِكَ الله يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ} ، أي: يولد العاقر والشيخ فلا يتعذر عليه شيء أراده.
وقيل: إنما سأل لأنه نسي دعاءه بأن يهب له غلاماً، وكان بين دعائه والبشارة بيحيى أربعين عاماً [2] .
[1] لا يخفى ما في هذا القول من فساد قال تعالى في حق المخلَصين من عباده (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) فكيف يجوز في حق نبي كريم؟!!
[2] لا يخفى ما فيه من بُعدٍ.