وقد قيل ذلك هو على جهة العبادة، وقد تقدم أن ليس القصد التفوُّه بذلك، بل فعل ما يقتضيه.
وقوله: (عَلَى رُسُلِكَ) أي على ألسنتهم، وعلى ما وعدت بإجابتهم.
«إن قيل» : ما معنى قوله: (بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) في هذا الموضع؟
قيل: تنبيهاً أن الأنوثية والذكورية لا تقتضي اختلاف الحكم في هذا الباب، وإنما الاعتبار بالأعمال والنيات، فمن قصد فيما يتحراه وجه الله فله
بقدره ثواب، ثم بيّن أنّ للذين هاجروا فضل رتبة، كما قال:
(وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا(95) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً).
ولم يعن بالمهاجرة والإِخراج من الديار ما كان من الكفّار فقط.
بل عناه ومن هاجر الأفعال القبيحة والأخلاق الكريهة، وقاتل نفسه حتى قهرها.
«إن قيل» : ما وجه قوله: (وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ) بعد قوله: (ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) على القول الأول؟
قيل: يحتمل ذلك وجهين:
أحدهما: أنه بيّن بقوله: (ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) أن ما ذكره ثواب لهم.
ثم أخبر أن هذا الثواب لا يوجد إلا عنده.
فيكون قوله (حسن الثواب) إشارة إلى المذكور قبله.
والثاني: أن يكون حسن الثواب غير المذكور أولاً، فنبه أنّ ما
ذكرت أولاً هو الذي عرفتكم، وعند الله حسن الثواب، الذي لم
يُعَرِّفْكُموه لعجزكم عن الوقوف عليه إشارة إلى المذكور في
قوله: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ)
وفي قوله: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) .
قوله تعالى: (أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ(199)
«إن قيل» : ما فائدة قوله: (إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) هاهنا؟
قيل: الحساب إشارة إلى الثواب المجعول لهم في مقابلة فعلهم.
وسقاه حساباً لقوله: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا)
وبيّن بقوله: سريع الحساب أن ذلك لا يتأخر عنهم.