وإنما قال: (ربنا) ولم يقل: رب العباد؛ لأن الموضع موضع اعتراف وشكر، لا الإِخبار عما عليه الشيء في نفسه، فلذلك خص (ربنا)
وقد تقدم أن الشاهد هو المخبر عن الشيء مشاهدة: إما حسًّا أو عقلًا، وأنه استعير للشهادة في الأحكام، والشاهدون هاهنا هم الذين على طريقة
من قال فيهم: (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) .
ونبه بقوله: (فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) أنهم منهم.
وقوله: (ربنا) متصل بالحكاية عنهم.
وأخبرنا تعالى بذلك لنقتدي بهم في متابعة النبي - صلى الله عليه وسلم - والتضرُّع إلى الله في طلب الثواب كما طلبوه.
«إن قيل» : كيف قال: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ) وقد قال تعالى: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ) ؟
قيل: جملة الأمر أن ليس في
ذلك منافاة، إذ ليس كل متوفى يكون مقتولا.
وقد قال الفرَّاء: معناه: ورافعك إليَّ ومتوفيك، فقدَّم وأخرَّ.
وقال الربيع: توفَّاه، ووفاته النوم.
وقال غيرهما: آخذك وافياً لم ينقص منك شيء .
وقال الحسن: وفاة الرفع، لا وفاة الموت.
وقال ابن عباس ووهب: وفاة موت، فإنه أماته ثم أحياه فرفعه.
وقال بعضهم: معنى متوفيك آخذك عن هواك، ورافعك إليَّ عن شهوتك، ولم يكن ذلك رفعا مكانيا، وإنما هو رفعة المحل، وإن كان قد رُفع إلى السماء، وعلى هذا قوله تعالى: (وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا) .
قوله تعالى: (وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ(57)
«إن قيل» : كان من حق المقابلة أنه لما عاقب
ذكر الكافرين بقوله: (وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) أن يذكر هاهنا ما
ينافيه فيقول: (وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) ونحو ذلك من الكلام لا قوله:
(وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) .
قيل: إن قوله: (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) من صفة الذين كفروا.
ونبّه بالصفتين جميعا، أعنى هذه وقوله: (وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) على كون المؤمنين منصورين ومحبوبين.