قال عز وجل: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(18)
الشاهد بالشيء يقتضي حضوره بعلمه، والإِنباء عنه، والحكم بما عليه.
ولهذا تُفسَّر الشهادة تارة بالحضور، وتارة بالعلم.
وتارة بالإِعلام، وتارة بالحكم.
«إن قيل» : ما وجه قوله: (شَهِدَ اللَّهُ) وقوله: (لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ) ، وشهادة المدعي بما يدعيه لا تقتضي زيادة على دعواه.
مع أن هذه الشهادة إن كانت للجاحدين فغير مقبولة، وإن كانت للمؤمنين به ففضلة؟
وهل يكفي النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا طولب بالدلالة أن يقول: الله شاهد لي بذلك؟
قيل: الشاهد العالم بالشيء ، المبين لغيره، وأصدق شاهد من يعلم المشهود عند الدلالة المنبئة عن صدقه، وعن كون الأمر على ما شهد به، والبارئ عز وجل لما جعل في كل شيء تنبُّؤاً عن وحدانيته صار له في كل شيء لسان يشهد أنه واحد، وهذا ظاهر.
وبين بقوله: (وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ) أنهم قد عرفوا ذلك وينبئون عنه، فإن الأدلة التي يذكرها العلماء، وتأتي بها الملائكة والأنبياء شهادة منهم، فحثهم الله تعالى بهذا القول على التأمل ليعرفوا صحة ما شهدوه، وكذا الآية كأنه قال لنبيِّه: لا تستوحش من تكذيب الكافرين لك، فقد أْبدى الله عز وجل
من الآيات ما ينبئ أنه تعالى شاهد لك بصدق دعواك.
«فإن قيل» : ما وجه تكرير (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) في الآية؟
قيل: لما كان منتهى إدراك الإِنسان للبارئ تعالى أن يعرف الموجودات.
فيعلم أنه ليس إياها ولا مشبَّهًا بشيء منها، صار صفات التنزيه
له أشرف من صفات التمجيد له، إذ كان عامة صفات التمجيد
في ألفاظها مشاركة، يصح وصف العباد بها، ولأجل ذلك عظم ما ورد من صفاته على لفظ النفي، نحو: (لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ) .