وتأويل (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا) - واللَّه عزَّ وجلَّ - قد علمهم قبل ذلك:
معناه يعلم ذلك واقعاً منهم - كما قال عز وجل - (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ) .
أي ليقع ما علمناه غيبأ مشاهدة للناس، ويقع منكم.
وإنما تقع المجازاة على ما علمه اللَّه من الخلق وقوعاً على ما لم يقع وما لم يعلموه -
قال الله عزَّ وجلَّ: (وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) .
وقال: (إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) .
(أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ(142)
المعنى ولما يقع العلم بالجهاد والعلم بصبر الصابرين، ولما يعلم اللَّه ذلك واقعاً منهم. لأنه - جلَّ وعزَّ - يعلمه غيباً، وإنما يجازيهم على عَملهم.
وتأويل (لَمَّا) أنَّها جواب لقَول القَائل قد فَعل فلان فَجوابه لمَّا يفْعل، وإذَا قال فَعَل فجوابه لَم يفعل، وإذَا قال: لقد فجوابه مَا يفعل، كأنه قال: واللَّه هو يفْعل، يريد ما يُسْتقْبل فجوابه لَنْ يفعل ولا يفعل.
هذا مذهب النحويين.
(وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ ...(154)
أي يختبره بأعمالكم لأنه علمه غيباً فيعلمه شهادة، لأن المجازاة تقع على ما علم مشاهدة، أعني على ما وقع من عامليه، لا على ما هو معلوم منهم.
(إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ...(155)
أي لم يَتَولوا في قتالهم على جهة المعاندة، ولا على الفِرار من الزحف رغبة في الدنيا خاصة، وإنما أذكرهم الشيطان خطايا كانت لهم فكرهوا لقاءَ الله. إلا على حال يرضونها، فلذلك عفا عنهم، وإلا فأمر الفِرار.