قال أبو جعفر: فتأويل الكلام: وليعلم الله الذين آمنوا منكم، أيها القوم، من الذين نافقوا منكم، نداول بين الناس = فاستغنى بقوله: (وليعلم الله الذين آمنوا منكم) عن ذكر قوله: (من الذين نافقوا) لدلالة الكلام عليه. إذ كان في قوله: (الذين آمنوا) تأويل"أيّ"على ما وصفنا. فكأنه قيل: وليعلم الله أيكم المؤمن، كما قال جل ثناؤه: (لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى) [سورة الكهف: 12] غير أن (الألف واللام) و"الذي"و"من"إذا وضعت مع العَلم موضع"أيّ"نصبت بوقوع العلم عليه، كما قيل: (وليعلمَنَّ الكاذبين) فأما"أيّ"فإنها ترفع.
{إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175) }
«فإن قال قائل» : وكيف قيل: (يخوف أولياءه) ؟ وهل يخوف الشيطان أولياءه؟ وكيف قيل= إن كان معناه يخوّفكم بأوليائه= (يخوف أولياءه) ؟
قيل: ذلك نظير قوله: (لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا) [سورة الكهف: 2] بمعنى: لينذركم بأسه الشديد، وذلك أن البأس لا يُنذر، وإنما ينذر به.
وقد كان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول: معنى ذلك: يخوف الناسَ أولياءه، كقول القائل:"هو يُعطي الدراهم، ويكسو الثياب"بمعنى: هو يعطي الناس الدراهم ويكسوهم الثياب، فحذف ذلك للاستغناء عنه.
قال أبو جعفر: وليس الذي شبه من ذلك بمشتبه، لأن"الدراهم"في قول القائل:"هو يعطي الدراهم"معلوم أن المعطَى هي"الدراهم"وليس كذلك"الأولياء"- في قوله: (يخوف أولياءه) - مخوَّفين، بل التخويف من الأولياء لغيرهم، فلذلك افترقا.
قوله: {وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (180) }
«فإن قال قائل» : فما معنى قوله: (لله ميراث السماوات والأرض) و"الميراث"المعروف، هو ما انتقل من ملك مالك إلى وارثه بموته، ولله الدنيا قبل فناء خلقه وبعده؟