إِذَا عَرَفْتَ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ، فَذَكَرَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ثَمَانِيَةَ أَنْوَاعٍ مِنَ الدَّلَائِلِ، ثُمَّ أَعَادَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ ثَلَاثَةَ أَنْوَاعٍ مِنْهَا، تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الْعَارِفَ بَعْدَ صَيْرُورَتِهِ عَارِفًا لَا بُدَّ لَهُ مِنْ تَقْلِيلِ الِالْتِفَاتِ إِلَى الدَّلَائِلِ لِيَكْمُلَ لَهُ الِاسْتِغْرَاقُ فِي مَعْرِفَةِ الْمَدْلُولِ، فَكَانَ الْغَرَضُ مِنْ إِعَادَةِ ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ مِنَ الدَّلَائِلِ وَحَذْفِ الْبَقِيَّةِ، التَّنْبِيهَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى اسْتَقْصَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الدَّلَائِلَ السَّمَاوِيَّةَ وَحَذَفَ الدَّلَائِلَ الْخَمْسَةَ الْبَاقِيَةَ، الَّتِي هِيَ الدَّلَائِلُ الْأَرْضِيَّةُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الدَّلَائِلَ السَّمَاوِيَّةَ أَقْهَرُ وَأَبْهَرُ، وَالْعَجَائِبُ فِيهَا أَكْثَرُ، وَانْتِقَالُ الْقَلْبِ مِنْهَا إِلَى عَظَمَةِ اللَّهِ وَكِبْرِيَائِهِ أَشَدُّ، ثُمَّ خَتَمَ تِلْكَ الْآيَةَ بِقَوْلِهِ: (لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَخَتَمَ هَذِهِ الْآيَةَ بِقَوْلِهِ:(لِأُولِي الْأَلْبابِ) لِأَنَّ الْعَقْلَ لَهُ ظَاهِرٌ وَلَهُ لُبٌّ، فَفِي أَوَّلِ الْأَمْرِ يَكُونُ عَقْلًا، وَفِي كَمَالِ الْحَالِ يَكُونُ لُبًّا، وَهَذَا أَيْضًا يُقَوِّي مَا ذَكَرْنَاهُ، فَهَذَا مَا خَطَرَ بِالْبَالِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَسْرَارِ كَلَامِهِ العظيم الكريم الحكيم.
(رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ(192)
قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ هَذِهِ الْآيَةُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ إِذَا دَخَلَ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَاهُ اللَّهُ لِدَلَالَةِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَالْمُؤْمِنُ لَا يَخْزَى لِقوله تَعَالَى: (يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) فَوَجَبَ مِنْ مَجْمُوعِ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ أَنْ لَا يَكُونَ صَاحِبُ الْكَبِيرَةِ مُؤْمِنًا؟