قد يُجاب على هذا بأن صفاء الفطرة يمكن معه مثل هذا الانتقال السريع.
ونحن نقول بدورنا: إن صفاء الفطرة هذا كفيل بصيانة إبراهيم عليه السلام من مثل هذا التخبط ، والقرآن نفسه يقول: (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ(51) .
* هدفنا من النقد:
والذي نهدف إليه من هذا كله هو أن ما جاء على لسان إبراهيم عليه السلام
ليس إلا مجاراة للخصم من حيث الظاهر ، واستدراجاً إلى الإنكار عليهم بصور عملية يشاهدونها ويحسونها حتى يهتدوا إلى الإيمان الحق.
فإذا كان الكوكب وهو فِي السماء ، والقمر وأثره فِي الكون ظاهر. والشمس وهي مصدر الدفء والنور . . إذا كانت هذه الأشياء العلوية الفائقة مرفوضة أن تكون أرباباً.
فما بالك بالتماثيل والأصنام التي كان يعبدها قوم إبراهيم ؟
ذلك ما يمكن استخلاصه من القصة على وجه مقبول ملائم لمقام الرسالة ،
وصيانة الرسل من الزيغ فِي أصل العقيدة المؤهلين لإبلاغها ونشرها.
* قطب واحد:
والآن - ويعد هذه المثل جميعاً - ما هي الطريقة التي سلكها القرآن في
قضية التوحيد ؟ إن محور العبرة فِي هذا المجال يدور حول قطب واحد.
مهما اختلفت النماذج وصياغة التعبير.
ذلك القطب يرتكز على جانبين:
أولهما: إثبات كل صفات الجلال والعظمة لله. بحيث يؤمن العقل بوجوده ،
ويرفض أن يكون له شريك.
وكانت أدلة هذا الجانب مظاهر الكون من الخلق والإيجاد ، والإحياء والإماتة ، وإنزال الماء وإنبات الزرع المختلف الأحجام والألوان والطعوم.
وإرسال الرياح وتسيير السحاب وكشف الضر وإيصال النفع.
هذه مظاهر نُسِبت إلى الله ، ولا تصح نسبتها إلا إليه.
إذن فهو موجود فِي الواقع ، وفي العقل ، وفي النفس والوجدان.
وهذا الكون يسير على نظام دقيق لا تخلف فيه ، تصرف منسوب إلى إله
عظيم القُدرة ، مطلق الإرادة. إذن فهو واحد ليس له شريك فِي الواقع.