أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذِهِ الْوَاقِعَةَ تُمَحِّصُ قُلُوبَكُمْ عَنِ الْوَسَاوِسِ وَالشُّبُهَاتِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا تَصِيرُ كَفَّارَةً لِذُنُوبِكُمْ فُتُمَحِّصُكُمْ عَنْ تَبِعَاتِ الْمَعَاصِي وَالسَّيِّئَاتِ، وَذَكَرَ فِي الِابْتِلَاءِ الصُّدُورَ، وَفِي التَّمْحِيصِ الْقُلُوبَ، وَفِيهِ بَحْثٌ ثُمَّ قَالَ: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) .
وَاعْلَمْ أَنَّ ذَاتَ الصُّدُورِ هِيَ الْأَشْيَاءُ الْمَوْجُودَةُ فِي الصُّدُورِ، وَهِيَ الْأَسْرَارُ وَالضَّمَائِرُ، وَهِيَ ذَاتُ الصُّدُورِ، لِأَنَّهَا حَالَةٌ فِيهَا مُصَاحِبَةٌ لَهَا، وَصَاحِبُ الشَّيْءِ ذُوهُ وَصَاحِبَتُهُ ذَاتُهُ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ ذَلِكَ لِيَدُلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ ابْتِلَاءَهُ لَمْ يَكُنْ لِأَنَّهُ يَخْفَى عَلَيْهِ مَا فِي الصُّدُورِ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ عَالِمٌ بِجَمِيعِ الْمَعْلُومَاتِ وَإِنَّمَا ابْتَلَاهُمْ إِمَّا لِمَحْضِ الْإِلَهِيَّةِ، أو للاستصلاح.
(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا مَا ماتُوا وَما قُتِلُوا ...(156)
«فَإِنْ قِيلَ» : فَلِمَاذَا ذكر بعد الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ الْغَزْوَ وَهُوَ دَاخِلٌ فِيهِ؟
قُلْنَا: لِأَنَّ الضَّرْبَ فِي الْأَرْضِ يُرَادُ بِهِ الْإِبْعَادُ فِي السَّفَرِ، لَا مَا يَقْرُبُ مِنْهُ، وَفِي الْغَزْوِ لَا فَرْقَ بَيْنَ بَعِيدِهِ وَقَرِيبِهِ، إِذِ الْخَارِجُ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى جَبَلِ أُحُدٍ لَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ ضَارِبٌ فِي الْأَرْضِ مَعَ قُرْبِ الْمَسَافَةِ وَإِنْ كَانَ غَازِيًا، فَهَذَا فَائِدَةُ إِفْرَادِ الْغَزْوِ عَنِ الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: فِي الْآيَةِ إِشْكَالٌ وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ: (وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ) يَدُلُّ عَلَى الْمَاضِي، وَقَوْلَهُ: (إِذا ضَرَبُوا) يَدُلُّ عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ فَكَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا؟
بَلْ لَوْ قَالَ: وَقَالُوا لِإِخْوَانُهُمْ إِذْ ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ، أَيْ حِينَ ضَرَبُوا لَمْ يَكُنْ فِيهِ إِشْكَالٌ.
وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ: