قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: هَذَا الْقَوْلُ ظَاهِرُ الِاخْتِلَالِ، لِأَنَّ (كَانَ) تُلْغَى مُتَوَسِّطَةً وَمُؤَخَّرَةً، وَلَا تُلْغَى مُتَقَدِّمَةً، تَقُولُ الْعَرَبُ: عَبْدُ اللَّهِ كَانَ قَائِمٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ قَائِمٌ كَانَ عَلَى أَنَّ كَانَ مُلْغَاةٌ، وَلَا يَقُولُونَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ قَائِمٌ عَلَى إِلْغَائِهَا، لِأَنَّ سبيلهم أن يبدؤا بِمَا تَنْصَرِفُ الْعِنَايَةُ إِلَيْهِ، وَالْمُلْغَى لَا يَكُونُ فِي مَحَلِّ الْعِنَايَةِ، وَأَيْضًا لَا يَجُوزُ إِلْغَاءُ الْكَوْنِ فِي الْآيَةِ لِانْتِصَابِ خَبَرِهِ، وَإِذَا عَمِلَ الْكَوْنُ فِي الْخَبَرِ فَنَصَبَهُ لَمْ يَكُنْ مُلْغًى.
الِاحْتِمَالُ الرَّابِعُ: أَنْ تَكُونَ (كَانَ) بِمَعْنَى صَارَ، فَقَوْلُهُ (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ) مَعْنَاهُ صِرْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَيْ صِرْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ بِسَبَبِ كَوْنِكُمْ آمِرِينَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَاهِينَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَمُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ.
وَهَاهُنَا سُؤَالَاتٌ:
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: مِنْ أَيِّ وَجْهٍ يَقْتَضِي الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْإِيمَانُ بِاللَّهِ كَوْنَ هَذِهِ الْأُمَّةِ خَيْرَ الْأُمَمِ مَعَ أَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ الثَّلَاثَةَ كَانَتْ حَاصِلَةً فِي سَائِرِ الْأُمَمِ؟