وَالْجَوَابُ: كُلُّ ذَلِكَ إِشْعَارَاتٌ بِأَنَّ جَانِبَ الرَّحْمَةِ أَغْلَبُ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ابْتَدَأَ فِي الذِّكْرِ بِأَهْلِ الرَّحْمَةِ وَخَتَمَ بِأَهْلِ الرَّحْمَةِ، وَلَمَّا ذَكَرَ الْعَذَابَ مَا أَضَافَهُ إِلَى نَفْسِهِ، بَلْ قَالَ: (فَذُوقُوا الْعَذابَ) مَعَ أَنَّهُ ذَكَرَ الرَّحْمَةَ مُضَافَةً إلى نفسه حيث قال: (فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ) وَلَمَّا ذَكَرَ الْعَذَابَ مَا نَصَّ عَلَى الْخُلُودِ مَعَ أَنَّهُ نَصَّ عَلَى الْخُلُودِ فِي جَانِبِ الثَّوَابِ، وَلَمَّا ذَكَرَ الْعَذَابَ عَلَّلَهُ بِفِعْلِهِمْ فَقَالَ: (فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) وَلَمَّا ذكر الثواب علله برحمته فقال: (فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ) ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ الْآيَةِ (وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ) وَهَذَا جَارٍ مَجْرَى الِاعْتِذَارِ عَنِ الْوَعِيدِ بِالْعِقَابِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِمَّا يُشْعِرُ بِأَنَّ جَانِبَ الرَّحْمَةِ مُغَلَّبٌ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ لَا تَحْرِمْنَا مِنْ بَرْدِ رَحْمَتِكَ وَمِنْ كَرَامَةِ غُفْرَانِكَ وَإِحْسَانِكَ.
(وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ)
إِنَّمَا حَسُنَ ذِكْرُ الظُّلْمِ هَاهُنَا لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْعُقُوبَةِ الشَّدِيدَةِ وَهُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَكْرَمُ الْأَكْرَمِينَ، فَكَأَنَّهُ تَعَالَى يَعْتَذِرُ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ إِنَّهُمْ مَا وَقَعُوا فِيهِ إِلَّا بِسَبَبِ أَفْعَالِهِمُ الْمُنْكَرَةِ، فَإِنَّ مَصَالِحَ الْعَالَمِ لَا تَسْتَقِيمُ إِلَّا بِتَهْدِيدِ الْمُذْنِبِينَ، وَإِذَا حَصَلَ هَذَا التَّهْدِيدُ فَلَا بُدَّ مِنَ التَّحْقِيقِ دَفْعًا لِلْكَذِبِ، فَصَارَ هَذَا الِاعْتِذَارُ مِنْ أَدَلِّ الدَّلَائِلِ، عَلَى أَنَّ جَانِبَ الرَّحْمَةِ غَالِبٌ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ (عَمَّ) بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ وَعِيدَ الْكُفَّارِ (إِنَّهُمْ كانُوا لَا يَرْجُونَ حِسابًا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّابًا) [النَّبَأِ: 27، 28] أَيْ هَذَا الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ إِنَّمَا حَصَلَ بِسَبَبِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ الْمُنْكَرَةِ.
(وَلِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ)