الرَّابِعُ: قَالَ الْأَصَمُّ: لَعَلَّ نَفْسَهُ كَانَتْ مَائِلَةً إِلَى أَكْلِ تِلْكَ الْأَنْوَاعِ فَامْتَنَعَ مِنْ أَكْلِهَا قَهْرًا لِلنَّفْسِ وَطَلَبًا لِمَرْضَاةِ اللَّهِ تَعَالَى، كما يفعله كثير من الزهاد فعبر من ذَلِكَ الِامْتِنَاعِ بِالتَّحْرِيمِ
الْخَامِسُ: قَالَ قَوْمٌ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ إِنَّهُ يَجُوزُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَقُولَ لِعَبْدِهِ: احْكُمْ فَإِنَّكَ لَا تَحْكُمُ إِلَّا بِالصَّوَابِ فَلَعَلَّ هَذِهِ الْوَاقِعَةَ كَانَتْ مِنْ هَذَا الْبَابِ، وَلِلْمُتَكَلِّمِينَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُنَازَعَاتٌ كَثِيرَةٌ ذَكَرْنَاهَا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ.
(إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا وَهُدىً لِلْعالَمِينَ(96) فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (97)
«فَإِنْ قِيلَ» : كَوْنُهُ أَوَّلًا فِي هَذَا الْوَصْفِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ لَهُ ثَانٍ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ يُشَارِكُهُ فِي هَذِهِ الصِّفَاتِ الَّتِي مِنْهَا وُجُوبُ حَجِّهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ؟
وَالْجَوَابُ: مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ لَفْظَ الْأَوَّلِ: فِي اللُّغَةِ اسْمٌ لِلشَّيْءِ الَّذِي يُوجَدُ ابْتِدَاءً، سَوَاءٌ حَصَلَ عَقِيبَهُ شَيْءٌ آخَرُ أَوْ لَمْ يَحْصُلْ، يُقَالُ: هَذَا أَوَّلُ قُدُومِي مَكَّةَ، وَهَذَا أَوَّلُ مَالٍ أَصَبْتُهُ وَلَوْ قَالَ: أَوَّلُ عَبْدٍ مَلَكْتُهُ فَهُوَ حُرٌّ فَمَلَكَ عَبْدًا عُتِقَ وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ بَعْدَهُ عَبْدًا آخَرَ، فَكَذَا هُنَا.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ) أَيْ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِطَاعَاتِ النَّاسِ وَعِبَادَاتِهِمْ وَبَيْتُ الْمَقْدِسِ يُشَارِكُهُ فِي كَوْنِهِ بَيْتًا مَوْضُوعًا لِلطَّاعَاتِ وَالْعِبَادَاتِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، وَمَسْجِدِي هَذَا»