وَالثَّانِي: أَنَّ الْكَلَامَ وقع على سبيل الفرض، والتقدير: فَالذَّهَبُ كِنَايَةٌ عَنْ أَعَزِّ الْأَشْيَاءِ، وَالتَّقْدِيرُ: لَوْ أَنَّ الْكَافِرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَدَرَ عَلَى أَعَزِّ الْأَشْيَاءِ ثُمَّ قَدَرَ عَلَى بَذْلِهِ فِي غَايَةِ الْكَثْرَةِ لَعَجَزَ أَنْ يَتَوَسَّلَ بِذَلِكَ إِلَى تَخْلِيصِ نَفْسِهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمَقْصُودُ أَنَّهُمْ آيِسُونَ مِنْ تَخْلِيصِ النَّفْسِ مِنَ الْعِقَابِ.
(لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ(92)
لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ كَلِمَةُ (حَتَّى) لِانْتِهَاءِ الْغَايَةِ فَقَوْلُهُ (لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ أَنْفَقَ مِمَّا أَحَبَّ فَقَدْ نَالَ الْبِرَّ وَمَنْ نَالَ الْبِرَّ دَخَلَ تَحْتَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى عِظَمِ الثَّوَابِ لِلْأَبْرَارِ، فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ أَنْفَقَ مَا أَحَبَّ وَصَلَ إِلَى الثَّوَابِ الْعَظِيمِ وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِسَائِرِ الطَّاعَاتِ، وَهُوَ بَاطِلٌ، وَجَوَابُ هَذَا الْإِشْكَالِ: أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُنْفِقَ مَحْبُوبَهُ إِلَّا إِذَا تَوَسَّلَ بِإِنْفَاقِ ذَلِكَ الْمَحْبُوبِ إِلَى وِجْدَانِ مَحْبُوبٍ أَشْرَفَ مِنَ الْأَوَّلِ، فَعَلَى هَذَا الْإِنْسَانُ لَا يمكنه أن ينفق الدُّنْيَا إِلَّا إِذَا تَيَقَّنَ سَعَادَةَ الْآخِرَةِ، وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَعْتَرِفَ بِسَعَادَةِ الْآخِرَةِ إِلَّا إِذَا أَقَرَّ بِوُجُودِ الصَّانِعِ الْعَالِمِ الْقَادِرِ، وَأَقَرَّ بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الِانْقِيَادُ لِتَكَالِيفِهِ وَأَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ، فَإِذَا تَأَمَّلْتَ عَلِمْتَ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُمْكِنُهُ إِنْفَاقُ فِي الدُّنْيَا إِلَّا إِذَا كَانَ مُسْتَجْمِعًا لِجَمِيعِ الخصال الْمَحْمُودَةِ فِي الدُّنْيَا.
* كَانَ السَّلَفُ إِذَا أَحَبُّوا شَيْئًا جَعَلُوهُ لِلَّهِ.
رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ أَبُو طَلْحَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِي حَائِطٌ بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ أَحَبُّ أَمْوَالِي إِلَيَّ أَفَأَتَصَدَّقُ بِهِ؟