قُلْنَا: الْمُرَادُ بِهِ حُصُولُ الْمُوَافَقَةِ فِي التَّوْحِيدِ، وَالنُّبُوَّاتِ، وَأُصُولِ الشَّرَائِعِ، فَأَمَّا تَفَاصِيلُهَا وَإِنْ وَقَعَ الْخِلَافُ فِيهَا فَذَلِكَ فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَ بِخِلَافٍ، لِأَنَّ جَمِيعَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ فِي زَمَانِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَيْسَ إِلَّا شَرْعَهُ وَأَنَّ الْحَقَّ فِي زَمَانِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ إِلَّا شَرْعَهُ، فَهَذَا وَإِنْ كَانَ يُوهِمُ الْخِلَافَ، إِلَّا أَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ وِفَاقٌ، وَأَيْضًا فَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ (ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ) هُوَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْمُرَادُ بِكَوْنِهِ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ هُوَ أَنَّ وَصْفَهُ وَكَيْفِيَّةَ أَحْوَالِهِ مَذْكُورَةٌ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، فَلَمَّا ظَهَرَ عَلَى أَحْوَالٍ مُطَابِقَةٍ لِمَا كَانَ مَذْكُورًا فِي تِلْكَ الْكُتُبِ، كَانَ نَفْسُ مَجِيئِهِ تَصْدِيقًا لِمَا كَانَ مَعَهُمْ، فَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِكَوْنِهِ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ.
السُّؤَالُ الثَّالِثُ: حَاصِلُ الْكَلَامِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخَذَ الْمِيثَاقَ عَلَى جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ بِأَنْ يُؤْمِنُوا بِكُلِّ رَسُولٍ يَجِيءُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ فَمَا مَعْنَى ذَلِكَ الْمِيثَاقِ.