وَالثَّانِي: الْمُرَادُ مِنْهُ أَنْ يُكَلِّمَ النَّاسَ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي الْمَهْدِ لِإِظْهَارِ طَهَارَةِ أُمِّهِ، ثُمَّ عِنْدَ الْكُهُولَةِ يَتَكَلَّمُ بِالْوَحْيِ وَالنُّبُوَّةِ.
وَالثَّالِثُ: قَالَ أَبُو مُسْلِمٍ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُكَلِّمُ حَالَ كَوْنِهِ فِي الْمَهْدِ، وَحَالَ كَوْنِهِ كَهْلًا عَلَى حَدٍّ وَاحِدٍ وَصِفَةٍ وَاحِدَةٍ وَذَلِكَ لَا شَكَّ أَنَّهُ غَايَةٌ فِي الْمُعْجِزِ.
الرَّابِعُ: قَالَ الْأَصَمُّ: الْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّهُ يَبْلُغُ حَالَ الْكُهُولَةِ.
السُّؤَالُ الثَّالِثُ: نُقِلَ أَنَّ عُمُرَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى أَنْ رُفِعَ كَانَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ: فَهُوَ مَا بَلَغَ الْكُهُولَةَ؟
وَالْجَوَابُ: مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: بَيَّنَّا أَنَّ الْكَهْلَ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنِ الْكَامِلِ التَّامِّ، وَأَكْمَلُ أَحْوَالِ الْإِنْسَانِ إِذَا كَانَ بَيْنَ الثَّلَاثِينَ وَالْأَرْبَعِينَ، فَصَحَّ وَصْفُهُ بِكَوْنِهِ كَهْلًا فِي هَذَا الْوَقْتِ وَالثَّانِي: هُوَ قَوْلُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَضْلِ الْبَجَلِيِّ: أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ وَكَهْلًا أَنْ يَكُونَ كَهْلًا بَعْدَ أَنْ يَنْزِلَ مِنَ السَّمَاءِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، وَيُكَلِّمَ النَّاسَ، وَيَقْتُلَ الدَّجَّالَ، قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ: وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ نَصٌّ فِي أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ سَيَنْزِلُ إِلَى الْأَرْضِ.
(وَمِنَ الصَّالِحِينَ)
«فَإِنْ قِيلَ» : كَوْنُ عِيسَى كَلِمَةً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَوْنُهُ وَجِيهًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَكَوْنُهُ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَوْنُهُ مُكَلِّمًا لِلنَّاسِ فِي الْمَهْدِ، وَفِي الْكُهُولَةِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ أَعْظَمُ وَأَشْرَفُ مِنْ كَوْنِهِ صَالِحًا فَلِمَ خَتَمَ اللَّهُ تَعَالَى أَوْصَافَ عِيسَى بِقَوْلِهِ (وَمِنَ الصَّالِحِينَ) ؟