«فَإِنْ قِيلَ» : كَيْفَ كَانَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْيَهُودُ عَامَلُوهُ بِمَا عَامَلُوهُ؟
قُلْنَا: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ تَعَالَى سَمَّى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالْوَجِيهِ مَعَ أَنَّ الْيَهُودَ طَعَنُوا فِيهِ، وَآذَوْهُ إِلَى أَنْ بَرَّأَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِمَّا قَالُوا، وَذَلِكَ لَمْ يَقْدَحْ فِي وَجَاهَةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَكَذَا هَاهُنَا.
قَوْلُهُ (وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ)
فِيهِ وُجُوهٌ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ ذَلِكَ كَالْمَدْحِ الْعَظِيمِ لِلْمَلَائِكَةِ فَأَلْحَقَهُ بِمِثْلِ مَنْزِلَتِهِمْ وَدَرَجَتِهِمْ بِوَاسِطَةِ هَذِهِ الصِّفَةِ
وَثَانِيهَا: أَنَّ هَذَا الْوَصْفَ كَالتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ سَيُرْفَعُ إِلَى السَّمَاءِ وَتُصَاحِبُهُ الْمَلَائِكَةُ
وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ وَجِيهٍ فِي الْآخِرَةِ يَكُونُ مُقَرَّبًا لِأَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ عَلَى مَنَازِلَ وَدَرَجَاتٍ، وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: (وَكُنْتُمْ أَزْواجًا ثَلاثَةً) إِلَى قَوْلِهِ (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ) [الْوَاقِعَةِ: 7 - 11] .
(وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ(46)
وَهَاهُنَا سُؤَالَاتٌ:
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: مَا الْكَهْلُ؟
الْجَوَابُ: الْكَهْلُ فِي اللُّغَةِ مَا اجْتَمَعَ قُوَّتُهُ وَكَمُلَ شَبَابُهُ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ اكْتَهَلَ النَّبَاتُ إِذَا قَوِيَ وَتَمَّ
قَالَ الْأَعْشَى:
يُضَاحِكُ الشمس منها كوكب شرق ... مؤزر بحميم النَّبْتِ مُكْتَهِلُ
أَرَادَ بِالْمُكْتَهِلِ الْمُتَنَاهِي فِي الْحُسْنِ وَالْكَمَالِ.
السُّؤَالُ الثَّانِي: أَنَّ تَكَلُّمَهُ حَالَ كَوْنِهِ فِي الْمَهْدِ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ، فَأَمَّا تَكَلُّمُهُ حَالَ الْكُهُولَةِ فَلَيْسَ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ، فَمَا الْفَائِدَةُ فِي ذِكْرِهِ؟
وَالْجَوَابُ: مِنْ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ بَيَانُ كَوْنِهِ مُتَقَلِّبًا فِي الْأَحْوَالِ مِنَ الصِّبَا إِلَى الْكُهُولَةِ وَالتَّغَيُّرُ عَلَى الْإِلَهِ تَعَالَى مُحَالٌ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ الرَّدُّ عَلَى وَفْدِ نَجْرَانَ فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّ عِيسَى كَانَ إِلَهًا.