3 -الرد على هذا الجواب بركنيه من عدة وجوه.
قال الناصح لليهود: آمنوا بالقرآن كما آمنتم بالتوراة. ألستم آمنتم بها لأن
الله أنزلها. فالقرآن - كذلك - أنزله الله.
هذه المعاني كدها ضمنها القرآن هذه الكلمات (آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ)
تفسير ذلك أنه عدل عن صريح اسم القرآن إلى كنايته (أَنْزَلَ اللَّهُ) فجعل
دعاءهم إلى الإيمان به دعاء إلى الشيء بحجته.
فأخرج الدليل والدعوى فِي لفظ واحد.
* طى اسم الرسول:
ولم يذكر المنزل عليه - محمد - صلى الله عليه وسلم - مع أن هذا جزء متمم لوصف القرآن المقصود بالدعوة.
أتدرى لماذا ؟ لأنه لو ذكر لكان فِي نظر الحكمة البيانية زائداً ، وفي نظر
الحكمة الإرشادية مفسداً.
أما الأول: فلأن الخصوصية لا مدخل لها فِي الإلزام. فأدير الأمر على
القَدْر المشترك وعلى الحد الوسط الذي هو عمود الدليل.
وأما الثاني: فلأن ذكر هذا الاسم - محمد - على مسامع الأعداء من شأنه
أن يخرج الضغائن ويثير أحقادهم فيؤدى إلى عكس ما قصده الداعي من
التآلف ، والإصلاح.
وفي هذا الحذف - فوق ما ذكِر - إشارة إلى طابع الإسلام وأنه ليس دين
تفرقة وخصومة ، بل هو دين جامع لما فرَّقه الناس من الأديان ، داعياً إلى
الإيمان بالكتب كلها على حد سواء ، لأن الله أنزلها. كما أنزل على إبراهيم
وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ، وما أوتِىَ موسى وعيسى
والنبيون من ربهم لا يفرق بين أحد منهم.
* جواب اليهود:
وكان جواب اليهود: أن الذي دعانا إلى الإيمان بالتوراة. ليس كونها أنزلها
الله فحسب ، بل لأنها أُنزلت علينا. والقرآن لم ينزل علينا. فلكم قُرآنكم ولنا توراتنا ، ولكل أمة شِرعة ومنهاج هذه المعاني أوجزها الله فِي قوله: (نُؤْمنُ بمَا أُنزلَ عَليْنَا) وهذا هو المقصود الأول ،
وقد زاد فِي إيجاز هذه العبارة أن حَذف منَها فاعل الإنزال:"الله"لتقدم ذكره فِي نظيرها.