وهنا - كذلك - ثلاث حقائق هامة:
أولاً: أن بلاغة القرآن ليست مستجلبة مقسورة فِي مواضعها. بل هي من
روح التعبير نفسه ، لا مارقة عنه ، ولا غريبة فيه. خالية من كل مظاهر
التكلف البغيض.
ثانياً: بهذا يفارق القرآن كلام البلغاء.
فهم إن أحسنوا فِي موضع أساءوا فِي آخر ، وإن قوى أسلوبهم فِي حالة ضعف فِي حالات.
فما من أديب بارع إلا أنت واجد فيما يقول ما هو له ، وما هو عليه.
وليس كذلك القرآن فهو سامٍ فِي كل مواضعه.
ثالثاً: إنك لو ذهبت تضع لفظاً فِي القرآن بدل لفظ طلبت محالاً إن زعمتَ أن ما وضعته ساد مسد ما رفعت ، أو زائد عليه.
ولو خدمتك اللغة بكل ما فيها من أدوات التعبير وقوانين الجمال.
فالرجلان ينهلان من معين واحد.
وإن اختلفت لدى كل منهما ملامح الفكرة
واختلفت - كذلك - طرق الصياغة. فالهدف واحد.
هو أن القرآن معجز بأسلوبه وطرق نظمه ، مباين لكلام البلغاء ، لا فرق فيه بين مجاز وحقيقة ، وتفصيل وإجمال.
ثالثاً - فِي مقالات اليهود:
والمثال الثالث نذكره ملخصاً من كتاب"النبأ العظيم"وضع الأستاذ
الدكتور محمد عبد الله دراز - رحمه الله - فإن فيه علامات ناطقة وآيات حق
شاهدة على روعة النظم القرآني. وإحكام الربط بين كلماته ومعانيه.
وقد أدار الباحث تحليله حول هذه الآية الكريمة:
(وَإذَا قيلَ لهُمْ آمِنُواْ بمَا أنزَلَ اللهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(91) .
* نصح وعناد:
هذه قطعة من فصل من قصة بني إسرائيل ، والعناصر الأصلية التي تبرزها
لنا هذه الكلمات القليلة تتلخص فِي:
1 -مقالة ينصح بها الناصح اليهود. إذ يدعوهم إلى الإيمان بالقرآن.
2 -إجابتهم لهذا الناصح بمقالة تنطوى على مقصدين.