قلت: فائدته التعليل للتحريم وأنهن لاحتضانكم لهن ، أو لكونهن بصَدد احتضانكم وفي حكم التقلب فِي حجوركم إذا دخلتم بأمهاتهن ، وتمكن بدخولكم حكم الزواج ، وثبتت الخُلطة والألفة وجعل الله بينكم المودة والرحمة وكانت الحال خليقة بأن تجروا أولادهن مجرد أولادكم ، كأنكم فِي العقد على بناتهن عاقدون على بناتكم"."
ويرى العلامة أبو السعود ما يرى الزمخشري. فقد قال فِي توجيه عِلَّة
التحريم فيها:"فإن كونهن بصدد احتضانهم لهن ، وفي شرف التقلب في"
حجورهم ، وتحت حمايتهم وترييتهم مما يقوى الملابسة والشبه بينهن وبين أولادكم
ويستدعي إجراءهن مجرى بناتهم"."
الثاني: يمكن جعل هذين الحالين - أي حُرمة حلائل الأبناء ، والجمع بين
الأختين - نوعاً مستقلاً. وعليه فإن النسق يجرى على منهج واحد من تقديم
عِلَّة الذكورة على الأنوثة.
والأساس الذي يمكن صحة هذا الاعتبار عليه هو كونه ابتدأ هذا النوع
بما علاقته الذكورة. والذكورة مقدمة على الأنوثة فِي هذا النظم. لذلك أرى
جعله نوعاً مستقلاً جرى فيه النظم على المنهج المألوف.
الثالث: أن النظم الكريم حين تحدث عن أصل الزوجة - وهي الأم - ناسب
ذلك الحديث عن فرعها. وهي البنت ، حتى لا يكون الكلام مقطوعاً حيث يجب اتصاله لو أقحم حليلة الابن بينهما. وحين أخرت الحليلة جاء النظم دقيقاً محكماً.
والظاهر أن أقوى هذه الوجوه هو الوجه الأول ، يليه الثاني ، ثم الثالث
فالترتيب بينها نزولى.
وأياً كان التوجيه فإننا نرى فِي هذه الآية إعجازاً فِي الأسلوب ودقة في
النظم. قد وضح لنا وجه الحكمة فيها.
ونذكر فيما يلى نصين لرجلين تباينت عصورهما ، والتقت أفكارهما فيما للقرآن من قوة السبك وروعة البناء وإحكام
الروابط بين مفرداته وجمله. أولهما: للقاضي أبي بكر الباقلاني معقباً على
الآية التي درسناها من عدة زوايا.
* الباقلاني وبلاغة القرآن: