قال تعالى"إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ"عظيمات على قدرتنا"لِأُولِي الْأَلْبابِ" (190) الذين خلص لبتهم عن الهوى خلوص اللب عن القشر فمن أراد عبرة فليعتبر فيهما والويل كل الويل لمن يقرأ ولم يتفكر وينظر ولا يعتبر لأن المراد بأولي الألباب هم أهل القلوب الحية المطهرة ، أما الذين صدأت قلوبهم وغشى عليها الرّين بسبب كثرة المعاصي فلا يفهمون من التفكر والنظر شيئا.
روى البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال:
بت فِي بيت خالتي ميمونه فتحدث رسول اللّه وأهله ساعة ثم وقد ، فلما كان ثلث الليل الأخير قعد فنظر إلى السماء فقال (إن فِي خلق السماوات والأرض) الآية ، على أنه كان فِي بني إسرائيل من إذا عبد اللّه ثلاثين سنة أظلته سحابة فعبدها فتى فلم تظله فقالت له أمه لعلك فرطت منك فرطة فِي مدتك قال ما أذكر ، قالت لعلك نظرت مرة إلى السماء ولم تعتبر ، قال لعل ، قالت فما أوتيت إلا من ذلك.
ولهذا وصف اللّه أولي الألباب بقوله"الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ"مضطجعين"وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ"
بكيفية اختراعهما وعظمهما وبناء السماوات وبسط الأرض وإبداعهما على غير مثال سابق وما فيهما من الكواكب المسخرة لمنافع الخلق والجبال التي لولاها لمادت بأهلها والوديان والأنهر والمعادن المختلفة والنظر فِي كيفياتها وكمياتها وأشكالها وألوانها واختلاف سيرها ، ويديمون هذا فِي جميع أحوالهم دون غفلة ، ثم يقولون"رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا"ولا عبثا ولا لعبا بل لحكم أردتها"سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ" (191) وهذا تعليم من اللّه لعباده بأن يقولوا هكذا ويثنوا على اللّه بما هو أهله وينزهونه عما لا يليق بحضرته الكريمة كلما نظروا إليهما ثم يذكرون حاجتهم.