ثم التفت جل شأنه يخاطب المؤمنين بما يصيبهم بعد مما هو أشد مما حل بهم فِي أحد فقال مقسما وعزتي وجلالي"لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ"فيما بستقبل من الزمان فتنهبون وتسلبون وتهانون"وَأَنْفُسِكُمْ"فتقتلون وتؤسرون وتعذبون"وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ"اليهود والنصارى"وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا"باللّه غيره فيدخل فيه الكفرة كافة"أَذىً كَثِيراً"متنوعا قولا وفعلا"وَإِنْ تَصْبِرُوا"على ذلك مع محافظتكم على دينكم"وَتَتَّقُوا"اللّه فتعملوا بما يأمركم وينهاكم"فَإِنَّ ذلِكَ"الصبر على ذلك الأذى مع المحافظة على التقوى"مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ" (186) بشير صدر
هذه الآية إلى قول الفلاسفة إن النفس هي الجسم المعاين دون ما فيه من المعنى الباطن كما أشرنا إلى هذا المعنى آنفا فِي بحث النفس ، وإنما خاطب اللّه تعالى حضرة الرسول وأصحابه المؤمنين كافة بهذا ليوطنهم على احتمال ما سيلقونه من الشدائد التي لا تقابل إلا بالصبر لئلا يرهقوا عند نزولها بهم على غرة فيجزعوا أو يشمئزوا ، وهي عامة اللفظ والمعنى محكمة ثابتة الحكم بين الناس إلى يوم القيامة ، وقد ظهر مصداقها فِي زماننا هذا بتولية الإفرنسيين علينا وفعل بعضهم كما ذكر اللّه فِي الآية 24 من سورة النمل ج 1 ، وها نحن أولاء صابرون على أذاهم ، وعسى اللّه أن يزيحهم عنا بتقوى أهل التقوى منا وهو على كل شيء قدير ، إذ أصاب بعض المؤمنين منهم ما ذكره اللّه ولم يجدوا بدا إلا الصبر ، فنسأله أن يقيض لنا من يجمع كلمة المسلمين ويرد لهم مجدهم ويدفع عنهم من يتسلط عليهم ، ولا لوم إلا على أنفسنا ، لأن ذلك كله بما كسبت أيدينا من ظلمنا بعضنا لبعض وتعاظمنا وانتصارنا للقوي والغني وعدم التفاتنا للضعيف والفقير والسكوت على المعاصي وهدر الحقوق والتقاطع ولا حول ولا قوة إلا باللّه.