واعلم أن العلماء اختلفوا فِي حقيقة النفس والروح فمن قائل إنهما اسمان مترادفان لمعنى واحد ، وعرّفوه بأنه جسم لطيف له مادة خاصة خلق منها وجعل على شكل معين وصورة معينة توجد داخل هذا البدن وهو مخالف لماهيته وينفذ فِي الأعضاء ويسري فيها سريان الدهن فِي الزيتون والنار فِي الفحم ، فما دامت هذه الأعضاء صالحة لقبول الآثار الفائضة عليها من هذا الجسم اللطيف بقي ذلك الجسم مشابها لهذه الأعضاء وأفادها منه الحسّ والحركة الإرادية وإذا فسدت هذه الأعضاء بسبب استيلاء الأخلاط الغليظة عليها خرجت عن قبول تلك الآثار وفارقت الروح البدن فانتقلت إلى العالم الثاني.
ولا يجاريهم فِي هذا الرأي بعض أهل العلم والتصوف الذين يقولون إن للإنسان غير بدنه حياة وروحا ونفسا ، وإن ما سبق من التعريف إنما ينطبق على النفس فقط لا على الروح ، أما الروح فقال بعضهم ما قاله اللّه عز وجل (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي) الآية 86
من سورة الإسراء ج 1 لأن اللّه أخفى حقيقتها وعلمها عن خلقه.
وقال بعضهم إنها نور من نور اللّه وحياة من حياته.
وقال بعضهم إنها معنى مرتفع عن الوقوع تحت النسق واللون ، وإنها جوهر بسيط مثبت فِي العالم كله من الحيوان على جهة الأعمال له والتدبير ، وانه لا يجوز عليه صفة قلة ولا كثرة ، وهي على ما وصفت من انبعاثها فِي هذا العالم غير منقسمة الذات والبنية ، وانها فِي كل حيوان العالم بمعنى واحد ، فلا طول لها ، ولا عرض ، ولا عمق ، ولا لون ، ولا بعض ، ولا وزن ، ولا هي فِي العالم ولا خارجة عنه ، ولا مجانبة ، ولا مباينة ، وتعلقها بالبدن لا بالحلول فيه ، ولا بالمجاورة ، ولا بالمساكنة ، ولا بالالتصاق ، ولا بالمقابلة ، وإنما هو بالتدبير له فقط ، وما الحياة إلا المظهر الخارجي للدلالة على وجود الروح.