واعلم أن رؤية اللّه تعالى كعلمه تستعمل فِي القرآن للمجازات على المرئي كالمعلوم ، وفي الآية تهديد للمؤمنين لأنهم وإن كانوا لم يماثلوهم فيما ذكر إلا أن حصول الندم فِي قلوبهم على الخروج يقتضي ذلك"وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ"خير لكم من أن تموتوا على فراشكم"أَوْ مُتُّمْ"فِي سفركم قبل خوضكم المعركة"لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ"لكم وكذلك فِي كل سفر طاعة"وَرَحْمَةٌ"عظيمة لكم منه فِي ذلك وهذا"خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ" (157) غيركم من حطام الدنيا وهم قعود فِي بيوتهم وقيل فِي المعنى:
إذا مت كان الناس صنفان شامت وآخر مثن بالذي أنا صانع
ثم أكد ذلك بقوله مع القسم أيضا"وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ" (158) فِي الآخرة فيجازيكم على حسب أعمالكم ونياتكم أي إذا كان هلاككم بأي سبب كان فمرجعكم إلى اللّه لا مرجع إلا إليه ولا معول إلا عليه ولا ثواب إلا منه ولا عقاب إلا عنه ، قال الحسين رضي اللّه عنه وعن والديه:
فإن تكن الأبدان للموت أنشئت فقتل امرئ بالسيف واللّه أفضل
ويستفاد من هذه الآية أن مقامات العبودية ثلاثة: فمن عبد اللّه تعالى خوفا من ناره وهي أدنى مقامات العبودية (إذ ما تحتها إلا الرياء والنفاق الذين يخلد صاحبهما بالنار) فهذا قد يؤمنه اللّه مما يخاف وإليه الإشارة بقوله (لَمَغْفِرَةٌ) ، ومن عبده طمعا فِي جنته آتاه اللّه ما رجاه وإليه الإشارة بقوله (وَرَحْمَةٌ) لأن الرحمة من أسماء الجنة ، وهذه العبادة فوق تلك وكلاهما من حظوظ النفس ، ومن عبده باعتباره إله حق مستحق للعبادة لذاته ولو لم يخلق نارا ولا جنة تشوقا إلى وجهه الكريم فتلك العبادة الخالصة وهي أشرف أنواع العبادات على الإطلاق ، ولهذا فإنه تعالى وعده بما أراد ووعده الحق وإليه الإشارة بقوله (لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ) جعلنا اللّه منهم ومن أتباعهم.