وإن هذه الطريقة تجعل المال دولة بين الأغنياء إرهاقا للفقير بأخذ مجهوده ليتنعم الغني ويبلس الفقير ، ومن هنا تنشأ العداوة والضغائن وتقع التفرقة والبغضاء ، وتضعف الروح المعنوية بين المجتمع الإنساني ، فتحصل الأضرار التي لا تتلافى حتى يعقد الفقير فِي قلبه التربص للانتقام من الغني أو الانتحار لنفسه ، ولأنه يؤدي لاحتكار النقدين لقصد التعامل بالربا فقط فيقلان فِي أيدي الناس وهم محتاجون إليها ، فيشق عليهم التعامل مع غيرهم الذي وضع للتسهيل والتيسير ، فيخل نظام الفطرة الاجتماعية فِي وجوه الكسب ، فيقع تحت براثنه ضحايا من الناس هم أحوج فِي حياتهم لأقل قليل من مجهوداتهم ، ولأن فيه مخاطرة من جهة الآخذ إذا ألزم نفسه أن يدفع كسبا المرابي محققا فِي نظير ما يؤمل كسبه ، إذ قد يخيب ظنه فيخسر فيشق عليه أداء الزيادة للمرابي ، ولأنه يعود الناس الطمع بما فِي أيدي الغير ، فتقسو قلوب بعضهم على بعض فيفقدون ملكة التعاون والتراحم والتعاطف بعضهم على بعض ، فتنقطع بينهم عرى المساعدة حالة الشدة ، ويحرمون من الثناء والحمد ، وتنهال عليهم المذمة والدعاء والشتم فِي الدنيا فضلا عن حرمانهم فِي الآخرة الثواب المعين للقرض الذي هو أفضل من الصدقة ، ولقائهم عذاب اللّه الأليم.
فهذه اثنتا عشر خصلة كل واحدة منها كافية للقول بحرمة الربا على القطع ، وفي كل منها مفسدة كافية للقول بمنعه ، فما بالك إذا تحلقت جميعها ، فهل تهد قوى الأمة وتنقص فضلها وتحطم كمالها وتقطع بينها مادة التواصل أم لا ؟ قل بلى ، ولا يقولها إلا موفق من يوم قالوا بلى للّه القائل"وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ" (133) .