واعلم أن القصد من معارضة هذا المعارض إرادته إباحة إنشاء المصارف (البنوك) وأخذ الناس منها بربا يسير أقل من ربح البايع فيما يبيعه ، وهذا لمن يتكلم بحق إرادة الباطل مثل دعاة السفور وهم يريدون الخلاعة لا غير ، وإذا بحثنا فِي هؤلاء الذين يأخذون من المصارف تجدهم إنما يأخذونه لغير حاجة ماستة لأنهم إما يريدون تكثير زراعتهم إن كانوا مزارعين ، وتجارتهم إن كانوا تجارا ، أو زواجا أو بناء أو ملكا ما أو بذخا ليساووا من هو فوقهم وأكبر منهم وأغنى ، أو طمعا بربحه اليسير وإعطائه بأضعاف ريحه لمن لا يقدر أن يأخذ من المصرف ليكاثر وينامي غيره به ومع هذا إنا نرى الذين تعاطوا هذا لم يتيسر لهم ما أملوه ، فلم تمض مدة حتى ترى الملاك حجزت أملاكه ، ولتاجر أعلن إفلاسه ، والمزارع صار يستلف على زراعته لأداء ما عليه منه ، والآخر أصبح فقيرا معدما ، وهذا هو السر فِي قوله تعالى (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا) فكان الأحسن لهذا والأجدر به أن يكون داعيا إلى اللّه موصيا الناس بالقناعة بما فِي أيديهم ، ويحث الأغنياء على زكاة أموالهم لكفاية الفقراء ، ويحبذ لهم القرض لمن يأمنوا على أدائه لهم وجواز إعطاء الفقير بما دون حد الغنى من الزكاة ، فلو أعطى هؤلاء وأقرض الآخرون لقدر الفقراء على تأمين معيشتهم من البيع والشراء بالأشياء العادية من الخضروات وشبهها مما هو من حوائج العامة فيغنيهم اللّه من فضله ويبارك لمن ساعدهم ويعطى هذا المحبذ للمصارف والأخذ منها أكثر مما يعطونه أهلها ، لأن
عطاء اللّه ممدود ، وعطاءهم مقصور محدود ، فيتكل على اللّه ويمنع أولئك من الأخذ من المصارف والاشتغال بما فِي أيديهم فهو أنفع لهم من الازدياد بما يوجب دمارهم ، ويعلمهم بأن أخذ بعضهم من بعض سواء كان بطريق القرض أو التجارة أو الصدقة أبقى للرابطة بينهم ، واحفظ لمادة التفاضل ، قال صلّى اللّه عليه وسلم: لا تزال أمتي بخير ما تفاضلت.