فالتقي الورع الذي يخشى عتاب اللّه يجتنب كل ما فيه شبهة ربا من نقد ومكيل وموزون وما يقوم مقام النقد من أوراق نقدية وغيرها حتى بيع العينة التي نهى الرسول عنها بأحاديث متعددة وهي أن يبيع الرجل آخر سلمة بثمن ثم يشتريها منه بأنقص مما باعها ، لأن هذا من باب الاحتيال على اللّه بشأن الربا ، وهو لا تخفى عليه خافية ، ألا ترى أن بني إسرائيل لما احتالوا على صيد السمك الذي نهاهم اللّه عنه يوم السبت مسخوا قردة وخنازير كما بيناه فِي الآية 164 من سورة الأعراف فِي ج 1 ؟ ولهذا البحث صلة فِي الآية 63 من سورة المائدة الآتية وفي الآية 16 من سورة النساء أيضا فراجعهما.
وان قول عمر رضي اللّه عنه فِي الأثر الأول (وأبواب من أبواب الربا) يفيد أن
اشتباهه لم يكن مداره القلة والكثرة فِي تحريم الربا ولكن فيما لم يعهد إليهم فيه عهد منه مما لم يتبيّنه ولم ينته إليه علمه من غير الأمور الستة التي كانت متعارفة فِي المدينة ولم يقل صلّى اللّه عليه وسلم لا ربا فِي غيرها ليكمل الاحتجاج به إلى عموم الآية وهي (أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا) أي بجميع أنواعه وأصنافه من كل ما فيه زيادة تأمل.
هذا واعلم أن قوله فِي الأثر الثاني (إن آخر القرآن تنزيلا هو آية الربا) كما ألمعنا إليه فِي الآية 275 من البقرة المارة ، أي إن الآية التي هي من آخر ما نزل من القرآن هي آية البقرة وقد علمت أنها تمنع القليل والكثير.
ومما يدل على أن المراد بآية البقرة ما أخرجه الإمام أحمد وابن ماجه وابن جرير أنه قال:
من آخر ما نزل آية الربا ، وأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قبض قبل أن يقسرها لنا ، فدعوا الربا والريبة ، أي كل ما يشك به من الربا.
ولو أن عمر رضي اللّه عنه كان مدار اشتباهه فِي الآية على عدم التمييز بين الربا القليل الذي هو حلال ، والربا الكثير الذي هو حرام ، لكانت آية آل عمران هذه هي محل الاشتباه ، ولو كان