وقالوا"رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ"من أحكام التوراة والإنجيل"وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ"الذي أرسلته إلينا وهو عيسى ، لأن الألف واللام للعهد ولا معهود هنا غيره إذ ذاك"فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ" (53) لك بالواحدية والوحدانية ولرسولك بالتصديق والانقياد"وَمَكَرُوا"اليهود أي اختالوا للقبض عليه وقتله تخلصا منه وحبا ببقاء الرياسة لهم وهو لا يريدها عليه السلام وإنما يريد صلاحهم"وَمَكَرَ اللَّهُ"جازاهم على مكرهم حين دلهم عليه حواريه المنافق يهوذا الأسخريوطي ليغتالوه فِي البيت الذي هو فيه مع بقية أصحابه ، فأوقع شبهه على المنافق المذكور ورفعه من بينهم إلى السماء ، فألقوا القبض على يهوذا وأوثقوه على ظن منهم أنه هو المسيح ، فصار يصيح أنا الذي دللتكم عليه أنا لست المعلم يعني عيسى ، إذ كانوا يسمونه معلما ولات حين مناص ، لأن اللّه تعالى إذا عمل شيئا كان عمله كاملا من كل وجه ، ولذلك فإن كل من رآه قال هذا عيسى بعينه حتى حوارييه وحتى أمه ، ولذلك
صاروا يبكون عليه"وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ" (54) المجازين أهل الحيل ، وبهذا الأخذ والرد بين اليهود إذ يقول لهم أنا لست بعيسى وهم يلكمونه ويقولون له أنت هو ، تخلص بقية حوارييه من القبض عليهم ، إذ كانت نيتهم اغتيال عيسى وحوارييه لأمر أراده اللّه وليتم مراده ببث دعوته من بعده من قبلهم.
واعلم أن إضافة المكر إلى اللّه بمعناه لا يجوز ، لذلك أول بالجراء ، وكذلك الخداع والاستهزاء لأنها صفات مذمومة فِي الخلق فلا يليق أن يوصف بها الخالق المنزه عن سمات خلقه تعالى عن ذلك علوا كبيرا.