وبعد أن بين اللّه تعالى فِي هذه الآيات التسع انفراده بالوهيته وبالحياة الأبدية واستحقاقه للعبادة وأنه هو الواضع للشرائع بما أنزل من الكتب على لسان الرسل ، وانه واهب الحياة لكل حي ، والعقل لكل عاقل ومنظم السنن للخلق ، وجاعل الآيات عبرة لذوي العقول ، وأنه يمهل الظالمين ليرجعوا إليه ، وإن أصروا فلا يهملهم من عذابه لعدم اعتقادهم بما أوجبه عليهم من الأخذ بالكتب والطاعة للرسل ، ثم ندد بالنصارى لاتخاذهم عيسى إلها بسبب بعض ما أظهره اللّه على يده من المعجزات ، ولم يعلموا أن اللّه هو الذي منحه إياها لهدايتهم لدينه فِي زمنه ، وأنه هو الذي كونه برحم أمه بلا أب وجعله آية منه لعباده ، ليعلموا أن قدرته غير متوقفة على شيء من الأسباب الظاهرة ، ثم انه بين لعباده أن القرآن منه محكم ومتشابه ليتفاوت الخلق فِي معرفته ، وليعلموا من مغزاها وجوب الأخذ بظاهر المتشابه ، لأن التأويل تحكم فِي مراد اللّه وهو مذموم عنده ، ومن مقتضى الرسوخ بالعلم التصديق بظاهر ما أخبر اللّه كما يليق بجلاله لا كما تدركه عقولهم من الأمور المحسوسة ، لأن أمور اللّه غير محدودة ، وإدراك البشر محدود ، والمحدود لا يحيط بغير المحدود ، فالاعتراف بالعجز عما لا يدرك والسكوت عن السؤال فيه سدّ لسد مداخل الشيطان إلى الإنسان بما يؤدي لوضع الشك فِي القلب ، والأحسن
لقليل العلم أن يكف عن التفكير فِي هذا ويتركه لأهل المعرفة الراسخين فِي العلم ، لأن قلوب العارفين لها عيون ، ترى ما لا يراه الناظرون.