ثمّ إنّه لمّا خرج من السفينة، وعاد إلى الدّنيا بهجتها نشر الله ذرّيّته في أقطار الأرض من بنين ثلاثة: سام وهو وليّ عهد أبيه وولده إرم وأرفخشد، ويافث وهو المبارك المرضي وولده الترك والخزر والاشبان والصقالب ويأجوج ومأجوج، وحام وهو الطريد المدعوّ عليه وولده قوط وكوش وكنعان منهم الهند والسند والسودان.
وأمّا (عمران) قيل: هو أبو موسى وهارون، وقيل: هو جدّ عيسى ويحيى وهذا أصحّ.
واصطفاؤهم بالرّسالة لقوله لموسى: {إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النّاسِ بِرِسالاتِي} [الأعراف:144] . وتخصيص الأربعة لأنّ كلّ واحد أصل مؤصل بافتتاح وحي بعد فترة، وغاية في الإسناد والانتشار والاقتداء.
والعالم الذي اصطفى الله آدم عليهم هم الملائكة المأمورين بالسّجود، وأمره بأن ينبئهم بأسماء الأشياء.
34 - {ذُرِّيَّةً:} نكرة، نصب على البدل.
{سَمِيعٌ عَلِيمٌ:} لمقالة امرأة عمران حنة.
35 -و {عِمْرانَ:} هو ابن ماثان بن يعاقيم، من ولد داود، من أشراف بني إسرائيل وعبّادهم، وكان صهرا لزكريّا النّبيّ عليه السّلام بإيلشفاع أخت مريم.
و (المحرّر) : الذي يتجرّد للعبادة، ويكون حبيسا لخدمة المسجد لا يعمل للدّنيا. وهو المعتق في اللغة.
36 - {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى:} لأنّ الذّكر يمكنه لزوم المسجد عامّة أحواله.
{وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ:} عارض تلفّظت به لحاجة في نفسها، وليس بمتّصل بالدّعاء، فمن قاله جعل (مريم) من أسماء الأعلام. وقيل: هو متّصل بالدّعاء، و (مريم) : التي لا تريد الرّجال، وقيل: التي لا تطاوع في الشّرّ.
وعن أبي هريرة أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: (ما من مولود إلا ويمسّه الشّيطان حين يولد ولذلك يستهلّ صارخا إلا مريم وابنها) . وهذا عموم بمعنى الخصوص؛ لأنّه روي أنّ الملائكة نزلت يحرسون نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم حين ولد. وروي أنّ فاطمة الكبرى وضعت عليّا في جوف الكعبة،
ولا سبيل للشيطان إليها.
37 - {بِقَبُولٍ:} ولم يقل: بتقبّل؛ لأنّهما بمعنى، وكذلك لم يقل: إنباتا؛ لأنّ في النّبات معنى الإنبات، كقوله: {أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً} [البقرة:100] ، ولم يقل: معاهدة، وقوله:
{مَتاعاً} [البقرة:236] في آية المتعة، ولم يقل: تمتّعا، وقوله: {إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ} [البقرة:282] ، ولم يقل: بتداين.
(الكفالة) : قبول في معنى الضّمان.