وفي آخر السورة يبيّن الله -تعالى- أنَّ من أهل الكتاب من يؤمن بالقرآن، في الآية قبل الأخيرة يقول الله -تعالى-:"وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ" [آل عمران: 199] ؛ يا مسلمون،"وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا" [آل عمران: 199] ؛ هكذا من هذه الإشاراتِ في أول السورةِ وآخرِها؛ تشعر أن السورة ستتحدث عن أهلِ الكتابِ، وأن منهم من آمن، وأن منهم فريقاً طيباً؛ هو موضوع هذه السورة، وقد برز في عنوانها (آل عمران) ، من آل عمران؟
قلنا: الرجل الصالح الذين اسمه: عمران، وامرأته: حنة بنت فاقوذ، وولدهما: هارون، وأخته: مريم -عليهم جميعاً رحمة الله-، هذه أسرةٌ طيبة؛ وإن كانت أسرةً يهودية؛ لأنَّ عيسى لم يأت إلى الوجود بعدُ؛ إنما تفرّع عن هذه الأسرة الطيبة.
امرأة عمران؛ هكذا حالها كانت عاقراً لم تلد، ويوماً -كما ذُكر- رأت بعض الطيور يُطعم أفراخه؛ عصفوراً كان أو غيره، أمٌ من أمهات الطير تطعم أفراخها فتشوقت إلى الأمومةِ؛ وقد رأت الأمومة أمامها في شكلِ طائر، وفي حياة طائر؛ فتمنت على الله؛ فرزقها الله حملاً، وأصلح حالها؛ وحملت بحمل لا تعرف إنْ كان ذكراً أم أنثى، إنْ كان مشوهاً أو غير مشوه، إنْ كان صحيحاً أو مريضاً، إنَّما هو حمل، قبل أن تعلم عنه شيئاً؛ قالت:"رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا" [آل عمران: 35] ؛ خالصاً، معنى (محرراً) ؛ أي: خالصاً لك،"فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ" [آل عمران: 35] ؛ وهي لا تدري عن حملها شيئاً تفصيلياً، ليس -كما في أيامنا- بالسونار، ونحو ذلك، إلى أنْ وضعته، ماذا نذرت؛"إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي" [آل عمران: 35] ؛ كيف تقدمُه لله؟ ستذبحه لله؟ ستحفظه التوراة؟ فلم يكن الإنجيل قد نزل من بعد، ماذا ستفعل به؟
إنها نذرته خادماً في بيت الله في المسجد الأقصى، أرأيت كيف نذرت!