جاءَهُم الحقُّ مصدقًا لِمَا بينَ يديهِ ومهيمنًا عليه في القرآنِ الكريمِ، فلم يُقْبِلُوا على النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولم يؤمنوا به-؛ فقالَ اللهُ لهم -مبَيِّنًا أنَّ الأمرَ ينبَغِي أنْ يكونَ بالحيادِ؛ نحنُ المسلمينَ نقولُ: نحنُ على حقٍّ، وأنتمْ تقولون: إنكم على حقٍّ: إذًا تعالُوا نبتهلْ إلى اللهِ، دعاهُم اللهُ -تعالى- إلى المباهلةِ [7] ؛ وذلك أنْ يخرجَ النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابُه بأزواجِهِم وأولادِهِم، وأنْ يخرجَ النَّصارى كذلك بأزواجِهِم وأولادِهِم في أرضٍ فضاءٍ، والجميعُ يَبْتهِلُ إلى اللهِ -تعالى- أنْ ينزلَ لعنَتَهُ على الكاذبينَ، من كان كاذبًا في ادِّعائِهِ أنَّه هوَ الخيرُ، وأنَّه هوَ الحقُّ؛ فاللهُ يهلكُه:"فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ" [آل عمران: 61] ، همّ النبي -عليه الصلاة والسلام- بذلك واستعَدَّ لهُ ودعا لهُ، همَّ النَّصارى أنْ يخرجُوا لهذه المباهلةِ؛ ولكنْ قامَ فيهم أحدُ رُهبانِهم يرجُو لهم الخيرَ والسلامةَ في الدنيا؛ فقالَ: ارجعوا؛ واللهِ لا تباهلونَ هذا الرجلَ ويرجعُ واحدٌ منكم.
(واللهِ لا تباهلونَ هذا الرجلَ) ؛ يعني: لو باهلتُمُوه ودعوتُم اللهَ معهُ بما دعاكُم إليه؛ لنْ يرجعَ منكُم أحدٌ [8] .
فهذا راهبٌ [9] قارئٌ للإنجيلِ، وقارئٌ للتوراةِ، ويعرفُ الدينَ، ويعرفُ أنَّ نبيَ اللهِ محمدًا -صلى الله عليه وسلم- هوَ الحقُّ، ولكنْ لم يؤمن لِمصالِحِ شخصيةٍ يخشَى عليها أنْ تضيعَ، ورُبَّما كانَ يكتمُ إيمانَهُ -الله أعلم- لكنَّه رَجَا الخيرَ في الدنيا لقومِهِ فنهَاهُم عن هذه المباهلةِ ورَدَّهُم عنهَا؛ فلم يباهِلُوا النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- وبقيتْ هذه المباهلةُ إلى اليومِ دعوةً إلى الحقِّ، وتمييزًا بينَ الحقِّ والباطلِ؛ منْ أرادَ؛ فلنباهِلَ ولنخرجَ ولندعُو اللهَ -تعالى- أنْ ينزِّلَ لعنَتَه على الكاذبينَ الظَّالِمينَ، ولكنْ لن يقبلَ عاقلٌ هذه المباهلةَ.