أما الحال الثالث: فهو حال العباد فيما بينهم، فليعبر كل واحد منهم من ملاطفات الحق معهم؛ ليتخلق بأخلاق الحق في مخالفتهم؛ وليتوسل إلى الله بحسن مرافقتهم؛ وليحفظ حدود الله في موافقتهم ومخالفتهم؛ وليتمسك بعروة محبتهم في الله وخدمتهم الله وصحبتهم إلى الله، ويصحبهم بالله؛ ليجوزوا في رفقتهم {صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً} [النساء: 68] ويفوز من زمرتهم فوزاً عظيماً، وفي جميع الأحوال كونوا مع الله، كما قال تعالى: {وََاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 282] ؛ أي: اتقوا الله في الأحوال الثلاثة، كما يعلمكم بالعبادات والإشارات {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ} [البقرة: 282] ، تعلمون في جميع الأحوال من الأقوال والأفعال، {عَلِيمٌ} [البقرة: 282] ، يعلم مضمون ضمائركم ومكنون سرائركم فيجازيكم على حسن معاملاتكم بقدر خلوصكم، وصفاء نياتكم، وصدق طواياتكم.
ثم أخبر عن الوثيقة في القروض بالرهن المقبوض بقوله: {وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ} [البقرة: 283] ، والإشارة في الآيتين: أن أهل الدين طائفتان: الواقفون والسائرون، والواقف: من لزم عتبة الصورة ولم يفتح له باب عالم المعنى فهو: كالفرخ المحبوس في قشر البيضة، فيكون مشربه من عالم المعاملات البدينة، فلا سبيل له إلى عالم القلب ومعاملاته، فهو محبوس في سجن الجسد وعليه الموكلان من الكرام الكاتبين، يكتبان عليه من أعمال الظاهرة بالسعير والقمطير، {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18] ، والسائرين: من لا نعيم في محل ولا ينزل في منزل فهو يسافر من عالم الصورة إلى عالم المعنى، من مضيق الأجساد إلى متسع الأرواح، وهم صنفان: صنف سيار، وصنف طيار، فالسائر: من يسير يقتدي الشرع والعقل على جادة الطريقة، والطيار: من يطير بجناحي العتيق والهمة في قضاء الحقيقة ورجليه خلخال الشريعة والطريقة.