فمن هنا تقوى الخواص المجذوبين بجذبات، {لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69] ، فتخرجهم الجذبة من حجب أوصافهم إلى درجة تجلي صفات الحق، فها هنا ينقضي سلوك الخواص فيستظلون بظل {عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى * عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى} [النجم: 14 - 15] ، فينتفعون من مواهب، {إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى} [النجم: 16] ، وأما تقوى خاص الخاص: فبجذبة فرقت العناية بجذبة {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى} [النجم: 17] ، من سدرة المنتهى الأوصاف إلى {قَابَ قَوْسَيْنِ} [النجم: 9] ، نهاية محن النفس وبداية أنوار القدس، فهناك عن عرف نفسه فقد عرف ربه، فتقوى الحقيقي تجد الإيمان الحقيقي، فالآن {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ} [البقرة: 257] ، من ظلمات الأنانية إلى نور الهوية، وهو مقام أو أدنى.
ثم بسير {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ} [النجم: 10] يفنيه عنه، وبحقائق ما أوحى يبقيه بهويته، فقوله {وََاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} [البقرة: 281] ، يشير إلى هذه الحقائق معناه: {وََاتَّقُوا} [البقرة: 281] جاهدوا فينا بجهدكم وطاقتكم، {يَوْماً} [البقرة: 281] ؛ يعني: اليوم فيه لنهدينكم بجذبات العناية {تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} [البقرة: 281] ، أشار بلفظ الرجوع إليه؛ ليعلم أن الشروع كان منه، كما قال تعالى:
{وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} [الحجر: 29] ، فبدء وجودك كان بالنفخة، وأخر رجوعك بالجذبة، وأنت محمول العناية بين النفخة والجذبة، ولقد اصطفى آدم وكرم أولاده بهذا الاختصاص على البرية كلها، وقال: {َأُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ} [البينة: 7] .