{تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ} [البقرة: 273] ؛ لأنك لست بك فلست غيري؛ لأنك إذا رأيت ولكن الله رأى، كما قال تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّْ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: 17] ، وإنَّ سيماهم لا ترى بالبصر الإنساني بل ترى بالنور الرباني؛ لأن سيماهم في الظاهر من ظهور آثار أحوال الباطن، وأحوال باطنهم أنهم أحصروا في سبيل الله، فأحصروا نفوسهم على طاعة الله عن معصية قلوبهم على معرفة الله عن نكرته، وأرواحهم على محبة الله عن غيره، وأسرارهم على رؤية الله عن شهود سواه، فمن سيماهم في الظاهر من ظهور آثار أحوال الباطن، {لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً} [البقرة: 273] ، لا بقليل ولا بكثير مع غاية احتياجهم؛ لأن إيتاء أنوار غناء قلوبهم انعكست على ظواهرهم، فتنورت بتعفف نفوسهم واضمحلت ظلمة فقرهم، وحاجتهم تحت أنوار غني قلوبهم، {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ} [البقرة: 273] ؛ يعني: من كل معاملة فيها خير المال والجاه، وخدمة بالنفس وإعزاز وإكرام وإعظام وارد من القلب تعاملون به هؤلاء، والسادة حتى السلام عليهم استحقاقاً وإجلالاً وإذلالاً، {فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ} [البقرة: 273] ، بجميع معاملاتكم معهم للتقرب إليهم، {عَلِيمٌ} [البقرة: 273] ، فإن تقربتم إليه في الإنفاق عليهم بشبر يتقرب في مجازاتكم بذراع، وإن تقربتم بذارع يتقرب عليكم بباع، فلا نهاية لفضله ولا غاية لكرمه، ومن يسماهم في الظاهر تعرفهم به يا محمد إذا وجدوا مالاً، يبعيوا عز الفقر به.