وفي قوله: {أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} [البقرة: 267] ، إشارة إلى معنى آخر في غاية اللطائف؛ يعني: أنفقوا من طيبات نياتكم، من تزكية النفوس وتصفية القلوب عن خيانة صفات النفس الخبيثة وتصرفات الشيطان الخبيث، {وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ} [البقرة: 267] ، طينتكم في تجلية سرائركم بمكارم الأخلاق وأنوار الوفاق؛ لتكون الشفقة طيبة من خباثة الشبهات في نفسها، طيباً إنطاقها من خباثة الأغراض والعلل الدنيوية والأخروية، طيباً منفقها من خيانة الالتفات، والنظر في الإنفاق إلى غير الله تعالى، {وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ} [البقرة: 267] ؛ يعني: النفقة الخبيثة في نفسها، بخباثة الشبهات بالنية الخبيثة، بخباثة الغلات من النفس الخبيثة، بخباثة الصفات الذميمة عن المنفق الخبيث؛ وهو: القلب الملوث بخباثة الالتفات، والنظر في الإنفاق إلى غير الله {مِنْهُ تُنْفِقُونَ} [البقرة: 267] ؛ يعني: لا تنفقوا إلا من الوجوه الطيبات كما قررنا، حتى يكون مقبولاً"فإن الله طيب لا يقبل إلا طيباً"وإن الله تعالى بحسب كل طيب قبولاً طيباً، فإذا كانت الصدقة طيبة في نفسها لله قبول طيب عن الوسائط، فيأخذها بيده فيزيدها قبل أن تقع في يد الفقير، وإذا كانت النية في إنفاقها فلله قبول طيب فإنها أبلغ عند الله من عملها، وإذا كان القلب المنفق طيباً عن الالتفات إلى غير الله قبول طيب عن الأخيار بين أصبعين من أصابع الرحمن، فها هنا يتحقق لذوي البصائر الطيبة:"إن الله طيب لا يقبل إلا الطيب"، ومن هنا تبين حقيقة {الطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ} [النور: 26] .