ثم أظهر ملكيته ومالكيته بالانفراد في قوله تعالى: {وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [البقرة: 255] ، ملكاً وملكاً خلقاً وعبدية كما قال تعالى: {إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً} [المريم: 93] قائماً عبداً ليس له أن يعارض مالكه وملكه عند إجراء حكمه في ملكه فقال تعالى: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِمُ} [البقرة: 255] ، قلت هذا الاستثناء راجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم إن الله قد وعده المقام المحمود بقوله تعالى: {أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً} [الإسراء: 79] بالشفاعة فمعنى الآية من ذا الذي يشفع عنده يوم القيامة إلا عبده محمد فإنه مأذون بالشفاعة موعود بها مستعد لها كما مر ذكره في حديث الشفاعة إذ تعينه الأنبياء للشفاعة ويدل عليه سياق الكلام وهو قوله تعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} [البقرة: 255] ؛ يعني: يعلم محمد صلى الله عليه وسلم ما بين أيديهم من أمور الأولياء قبل خلق الله الخلائق لقوله: صلى الله عليه وسلم"أول ما خلق الله نوري"وفي رواية"روحي"و"أول ما خلق الله العقل"و"أول ما خلق الله القلم"و"أول ما خلق الله جوهرة"و"إن الله تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام"وأمثال هذا كثير {وَمَا خَلْفَهُمْ} من أحوال القيامة وفزع الخلق وغضب الرب وطلب الشفاعة من الأنبياء وقولهم: نفسي نفسي وخذله الخلق بعضهم إلى بعض حتى بالاضطراب يرجعون إلى النبي صلى الله عليه وسلم لاختصاصه بالشفاعة وأشباه ذلك، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم.