والإشارة فيها أن لله تعالى أحكاماً موجبات للنقائص وليس فيها للعبد اختياراً ولا كسب، ولله فيها أسرار عجيبة وألطاف خفية، فمن ذلك كتب الله تعالى على بنات آدم من المحيض ولله فيه امتحان وابتلا ء مع الرجال والنساء، كما قال تعالى: {قُلْ هُوَ أَذًى} ثم امتحن الرجال بالاعتزال عن النساء، فقال تعالى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَآءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة: 222] ، وجعل التباعد عنهن في أيام الحيض تقرباً إليه، وقال تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222] ، ثم جعل التقرب إليهن على شرائط الأمر ومجانبة الطبع موجباً للمحبة والوصلة، وقال تعالى: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ} [البقرة: 222] ، وعن موافقة الطبع {وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222] ، عن مخالفة الشرع وجعل اعتزال النساء وبعدهن عن الأزواج موجباً للقربة، وإن كان في الظاهر موجباً للعبد عن مقام المناجاة لأنهن منعن عن صورة المناجاة، وهي مداومة الذكر ومراقبة القلوب وقال تعالى:"أنا جليس من ذكرني"وجعل تطهرهن ومحافظة أنفسهن عن إتيان المنهي موجباً للمحبة والوصلة، وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ} [البقرة: 222] ؛ أي: محافظي النفس عن المنهيات ويحب المتطهرين أي: مربي النفس بالمأمورات، فكما أن للنساء محيضاً في الظاهر، وهو سبب نقصان إيمانهن عن الصلاة والصيام، فكذلك للرجال محيض في الباطن وهو سبب نقصان إيمانهم عن حقيقة الصلاة هي المناجاة وعن حقيقة الصيام، وهو الإمساك عن مشتهيات النفوس، وهو هوى النفس كما أن المحيض هو سيلان الدم عن الفرج، فكذلك الهوى عن غَلبات دواعي الصفات البشرية والحاجات الإنسانية فكلما غلب الهوى تكدر الصفاء، وحصل الأذى وقيل: قطرة من الهوى تكدر بحراً من الصفا، فحينئذ غلبة منعت النفس عن الصلاة والصوم في الحقيقة، وإن كانت