ثم أخبر عن مقال أهل القال، ومعاملة أهل الحال بقوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [البقرة: 204] إلى قوله: {وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} [البقرة: 206] ، والإشارة فيها أن قوماً أعرض الحق تعالى عن قلوبهم؛ فأعطاهم في الظاهر بسطة في اللسان وتقريراً في البيان ويدعون شيئا بأقوالهم يكذبون فيها بأخلاقهم وأفعالهم فيعجب الخلق بأقوالهم ما لم يروا أعمالهم، ولكن الله يشهد سرائرهم، ويعلم ضمائرهم إن عقود أسرارهم حضور أخبارهم، وفي الحقيقة هذه خصلة بعض النفوس الأمارة بالسوء أن تظهر السوء باللات المموهة والأقوال المزخرفة تسر بقبائح أوصافها وفضائح أخلاقها، وتعلن الصداقة وتخفي العداوة، وترى أنها أولى الأولياء، وتراها أعدى الأعداء {وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى} [البقرة: 204 - 205] ؛ أي: وجد التمكن والولاية {سَعَى فِي الْأَرْضِ} [البقرة: 205] ؛ يعني: في أرض القلب {لِيُفْسِدَ فِيِهَا} [البقرة: 205] ، يخربها {وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ} [البقرة: 205] ، ويبطل حرث الصدق في ترك الدنيا، وطلب الآخرة والتوجه إلى الحق {وَالنَّسْلَ} [البقرة: 205] ، ما تولد من الأخلاق الحميدة، والخصال السريدة {وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ} [البقرة: 205] ، بالأقوال الكاذبة.