فأعلم ألله تعالى أن الإفاضة من عرفات المعرفة إلى مصالح الدنيا ورعاية حقوق الخلق، ودعوتهم إلى الله خطر عظيم ولا يخلو عن نوع حظ من الحظوظ فعلق الإفاضة بشرطين لرفع الخطر، وإزالة غائلة الحظوظ، أحدهما: أمر بالمواظبة على وظائف الذكر بقوله تعالى: {فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} [البقرة: 198] ؛ يعني: بالقلب والمشعر الحرام هو القلب الذي حرام عليه الاطمئنان مع غير ذكر الله وحبه لقوله تعالى: {أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28] ، {وَاذْكُرُْوهُ كَمَا هَدَاكُمْ} [البقرة: 198] ، معناه اذكروا الله ليهدي نفوسكم كما هدى قلوبكم لئلا تقع النفوس في خطر حب الدنيا ولا تميل إلى استيفاء حظوظها {وَإِن كُنْتُمْ مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ} [البقرة: 198] ؛ يعني: كما كنتم قبل الوقوف بعرفات المعرفة من الضالين في طلب الدنيا وحظوظ النفس.
والثاني: أمرهم بالاستغفار لإزالة ضرر المحافظة مع الخلق وكدورة حظها بقوله تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [البقرة: 199] ، وهذا كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاستغفار مع كمال مرتبته وجلال قدره بقوله
{إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً} [النصر: 1 - 3] ؛ يعني: يزيل غين الحظ بالاستغفار وهو صلى الله عليه وسلم يقول:"إنه ليغان على قلبي، وإني لاستغفر الله في يومٍ سبعين مرة".