{فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ} [البقرة: 197] ؛ أي: صادقة صدق الالتجاء، وقصد الحق في شرخ شبابه يتزر بإزار التواضع والانكسار، ويرتدي برداء التذلل والافتقار، {فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ} [البقرة: 197] ؛ أي: لا يخرج من أمر من الأوامر، ولا يدخل في منهى من المناهي، بل لا يخرج من حكم الوقت ولا يدخل فيما يورث المقت.
{وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة: 197] ؛ أي: لا نزاع للسالك الصادق في طلب الوصول مع أحد في شيء من الدنيا لا بالفروع ولا بالأصول، وإلا فما تخاصم مع أحد، ولا في جاهها لأحد تزاحم، فمن نازعه في شيء منها يسلمها إليه ويسلم عليه، فإن من دأب القوم {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً} [الفرقان: 63] .
{وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ} [البقرة: 197] ؛ يعني: من هذه الجملة وغيرها من الخيرات، {يَعْلَمْهُ اللَّهُ} [البقرة: 197] ، قليله وكثيرة وإخلاصه ورياءه وسره وعلانيته، {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الأَلْبَابِ} [البقرة: 197] ، في الكلام تقديم وتأخير وإضمار تقديره وتزودوا يا أولي الألباب؛ يعني: لكل سالك طريق زاد يناسب طريقه، فزاد أولي القشور؛ وهم: أهل الدنيا من الكعك والسويق وأمثاله؛ لأن طريقهم ومقصدهم ومقصودهم أيضاً قشر بالنسبة إلى طريق الحق، فإن طريقهم الأرض، ومقصدهم ومقصدهم البيت، ومقصودهم الجنة، وهذا قشر بالنسبة إلى ما ذكرنا، {وَتَزَوَّدُواْ} فإن خير المقاصد ينبغي أن يكون من {خَيْرَ الزَّادِ} ، فأشار إلى: {تَزَوَّدُواْ} يا أولي الألباب من لب الزاد وهو التقوى {فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} وخير التقوى أن تكون متقي، إن تتقون بي مني، فتقوى أهل القشور مجانية الزلات والمزلات بالطاعات والمبرات تفهم إن شاء الله تعالى وتنتفع به.