ثم أخبر عن أشهر الحج وشرائطها وحث على رعاية وسائطها بقوله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197] ، الإشارة فيها أن قصد القاصدين إلى الله تعالى وطلب الطالبين؛ إنما يكون في أشهر معلومات وأيام معلومات من حياتهم الفانية في الدنيا، فأما بعد انقضاء الآجال وفناء الأعمال فلا يصلح لأحد السعي ولا يفيد القصد، كما لا يفيد للحاج القصد بعد مضي أشهر الحج؛ لقوله تعالى: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ} [الأنعام: 158] ، وكما أن للحاج مواقيت معينة يحرمون منها، فكذلك للقاصدين إلى الله ميقاتاً؛ وهي: أيام الشباب من بلاغة الصورة إلى بلوغ الأربعين؛ وهو: حد بلاغة المعنى؛ لقوله تعالى: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً} [الأحقاف: 15] ؛ ولهذا قال المشايخ: الصوفي بعد الأربعين نادر؛ يعني: إن كان ظهور إرادته وطلبه يكون بعد الأربعين، فوصوله إلى القصد الحقيقي يكون نادراً مع إمكانه، ولكن من يكون طلب صدقه في الإرادة قبل الأربعين، وما أمكنه الوصلة بقرب الاحتمال أن يكون بعد الأربعين حصول مقصوده بأن يبذل غاية مجهوده بشرائطه وحقوقه وحدوده من إقامة، أو أن الطلب في عنفوان شبابه يستبعد له الوصلة في حال شيبه، فجرى منه على الحيف بأن ضيع اللبن في الصيف؛ ولكن يصلح للعبادة التي أجرها الجنة، قيل: وقف صاحب ولاية على باب الجامع والخلق يخرجون منه في ازدحام وغلبة وكان ينظر إليهم ويقول: هؤلاء حشو الجنة، وللمجالسة أقوام آخرون.